آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 6:54 م

صحراء القطيف

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

حينما أطلَّت الدكتورة عائشة بنت الشاطئ، رحمها الله، مع وفد مصري عام 1970م على القطيف، استقبلها الأهالي استقبالاً حافلاً، توالت فيه الفقرات، وكان لشاعرها الكبير المرحوم عبدالله الجشي، نصيب، ألقى من خلاله قصيدته العصماء «هذي بلادي»، وقال فيها مما قاله: «والنخل وارفة الظلال كأنها/ جيش كثيف بالخليج مُعسكِرُ/ والبحرُ يُهديها اللآلئَ مُشرِقٌ/ وكلوحةِ الفنان رِيفٌ مُزْهِرُ».

اليوم، لا شك أنَّ أحداً من الشعراء لن تسعفه قريحته لأن يتغنى بنخيل القطيف وبحرها، بتمرها ولآلئها، بشيءٍ من تلك السمات التي ميّزت أرضها، فليست النخيل إلا أعواداً خشبية يابسة تنتظر اللطف، أما البحر بوفرة أسماكه وغذائه فلم يكن ليستحق إلا أن تُقتلع أشجار المانجروف منه - التي تمثل الغذاء للبيئة البحرية - وإلا أن يدفن لتوفير أراضٍ للسكنى بأسعار تحتاج من الشاب عمر نبي الله نوح ليجمع قيمتها، مع وجود صحراء تشتاق لمن يسكنها.

الحديث حول واحة القطيف مربك بعض الشيء، فالواحة هي ماضٍ يتغنى بها كبار السن فقط، أما الشباب فيفضلون الحديث عن «آيفون فايف» ومدى وضوح الصور من كاميرته، ذلك أن أحداً منهم لم يرَ جنة القطيف الغنَّاء، وماءها العذب، وبحرها العظيم الوافر بالخير، فليس لهم بالنتيجة من الذكرى ما يملأ قلوبهم أسفاً وغماً. هنا الحديث عن بيئة القطيف يبدو حديثاً مستهلكاً، إن لم يكن فيه سوى إحصاء المآسي.

أما ما أجده أنفع وأجدى فهو الحديث عن برامج الإصلاح التي نحتاجها لنُعيد أرض القطيف إلى أرض الخير. في هذا السياق يبرُز موضوع التوسع في زراعة النخيل والمحاصيل الزراعية التي تناسب أرضها كحل بديهي لتعويض ما تلف، غير أن ذلك يتعارض مع الجدوى الاقتصادية بالنسبة للمزارع الذي لم يعد ليجد في الزراعة عائداً يجعله يعيش الحياة الكريمة اللائقة به، من هنا فالأمر برمته كما أعتقد يتعلق بالمسؤولين في وزارة الزراعة وضرورة اتخاذ تدابير وحلول قادرة على الإبقاء على ما تبقى من مصادر الغذاء، ولو بتولي إدارتها، ولعل جارة القطيف، وأختها، الأحساء استطاعت ربما المحافظة على نخيلها حينما كان مصنع التمور مستوعباً محاصيل نخيلها، وبالنتيجة دخلاً مزارعيها، أما القطيف فلم تزل تحلم بمصنع تمور يليق بواحتها المتجذرة في التاريخ والعائدة لآلاف السنين. وحتى يظهر ذلك المصنع الحلم فإن النخيل تتساقط يوماً بعد يوم إيذاناً بانضمام واحة القطيف إلى مدن الصحراء.

أما حديث البحر، فحينما كانت غابات المانجروف تملأ الشطآن وتغذي أسماك الخليج لتجعل القطيف المورد الأول للسمك، فإنها الآن تحتضر بعد قلع تلك الغابات بغرض التوسع السكاني الذي جنى على البيئة، وكان الأجدى هو التوسع غرباً باتجاه الصحراء.

تحتاج القطيف اليوم إلى إعادة استزراع غابات المانجروف، كما تحتاج للاستثمار في محاصيلها، لا سيما التمر، كل ذلك لعله يكون طريقاً لإعادة جزء مما كان من واحتها الغنَّاء.

وإلى ذلك الحين سيبقى جيش النخيل المعسكر على ضفاف الخليج وشاعره الجشي والدكتورة بنت الشاطئ حديث ذكرى عابرة نذكرها للأسى والحزن على ماضٍ تليد.