آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 6:54 م

العطاء الذكي.. سعيد الخباز نموذجاً

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

أشارت «الشرق» في عددها رقم 729 بتاريخ 02/12/2013 في خبرٍ بعنوان «رجل أعمال يهب مستوصفاً بكامل تجهيزاته لجمعية خيرية في القطيف»، إلى البادرة التي تقدم بها رجل الأعمال الأستاذ سعيد بن عبدالكريم الخباز حينما وهب مستوصفاً في منطقة سنابس بالقطيف بكامل تجهيزاته وطاقمه لجمعية خيرية، هذه البادرة الخيرة تستحق كثيراً التوقف عندها، ليس لأنَّ دعماً سخياً تقدم به رجل خير إلى جمعية خيرية، بل لأنَّ هذا الدعم مختلف عن النمط السائد، هو عبارة عن مورد مالي دائم وليس مجرَّد مبلغ مالي ما كان له ليستمر كثيراً في ظل نفقات كثيرة تتحملها الجمعيات الخيرية.

هناك سُنَّة حسنة كانت ولفترة طويلة موجودة في التاريخ الإسلامي، غير أنَّها قلَّت وندرت كثيراً في الآونة الأخيرة، وهي «الوقف»، يُعرَّف الوقف بأنَّه تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة، ومثاله وقف مسكنٍ ما للفقراء أو وقف بستانٍ يوجه عائده لجهة معينة، وهذا الأخير يمنح الجهة المُوقَف عليها دخلاً مادياً مستمراً دون توقف ما دام الأصل موجود، وهو أفضل بالنتيجة من الدعم المادي الذي لا شكَّ سينفد حينما يتم إنفاقه فيما خُصص لأجله، من الناحية التاريخية ورد أنَّ أول وقفٍ في الإسلام كان وقف النبي «صلى الله عليه وسلم» مسجدَ قباء، وتلاه مسجده النبوي الشريف، أما أول وقفٍ خيري فنُقل أنَّه وقف البساتين السبعة للفقراء، من خلال ذلك فإنَّني أعتقد أنَّ بادرة الأستاذ الخباز هي في حقيقتها درس، أو ربما يصح أن نسميها رسالة تذكير إلى كل رجال الخير في هذا الوطن بأنَّ هناك وجهاً فاعلاً ومؤثراً للعطاء وهو الوقف أو التبرع بمنح جهة استثمارية ربحية، هذا العطاء المغيَّب ينبغي أن يفكر فيه رجال الخير ويضعوه ضمن سلسلة أعمال البر التي يقومون بها.

المتأمل في تاريخ الدول الإسلامية يلاحظ أنَّ الوقف كان له أثر فاعل في تنمية المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً وعلمياً، إذ كانت الأوقاف تدرُّ الأموال للنفقة على جوانب كثيرة كالفقراء والمحتاجين وفاقدي البصر والمعاقين، أو من أجلسه الكبر عن العمل، وكذا النفقة على المراكز العلمية والمدارس المختلفة، وعلى الجيوش وتجهيزاتها المختلفة، وأيضاً لبناء دُور السكن التي هي بمنزلة الفنادق في عصرنا الراهن، بل تعدى الأمر إلى جوانب تتعلق بالبيئة حينما أوقفت الأوقاف لتنظيف الشوارع وغيرها، كل هذه الجهات وغيرها استطاع الوقف أن يلبي احتياجاتها حينما كانت الدولة وميسورو المجتمع يُسهمون بشكلٍ فاعل في وقف الأوقاف، أما في العصور المتأخرة فيبدو أنَّ هناك عزوفاً عن هذا الجانب التنموي المهم، وفي اعتقادي أنَّ الأمر يحتاج إلى حملة إعلامية تستطيع منح المجتمع كثيراً من المعلومات المهمة للترغيب فيه، فهذا العطاء يُسهم بشكلٍ فاعل في تنمية مجتمعاتنا في جميع جوانبها.

مقالي هذا موجَّهٌ لرجال الخير الذين تمتلئ بهم مُدن المملكة، هو دعوة للتحول من الدعم المادي الصِّرف إلى الدعم الذكي المتمثل في أحد مصاديقه بالوقف أو بعطاء المورد المالي، في اعتقادي أنَّ اعتماد أوجه الخير المختلفة على دعم المحسنين فقط لا يلبي الحاجات على نحوٍ دائم، وربما كان من أهم أسباب التعثر الذي يصيب الجهة المعتمدة عليه، ذلك أنَّ المتبرع قد تمنعه الظروف أحياناً عن الدعم، لذا فاستبدال هذا الاعتماد إلى نظام الوقف يستطيع حسب اعتقادي إلى حد كبير صناعة فرق واضح لتلك الجهات.

يستحق الأُستاذ سعيد الخباز كثيراً من الشكر والتقدير على هذه البادرة التي أتمنى كثيراً أن تتكرر من رجال الأعمال في المملكة، وتقديم الشكر والثناء على بادرته هو واجب وتشجيع لسواه لسلك مسلكه الحسن، كل الدعاء له بدوام التوفيق والسداد.