آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 6:54 م

الرقابة على الجودة.. أزمة البلديات

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

استبشرتُ مع كثيرين مثلي خيرا حينما تم البدء في مشروع إصلاح أحد الطرق الرئيسة في مدينتي. كان هذا الطريق ولفترة طويلة أحد العوامل المهمة في انتعاش المنطقة الصناعية وورش السيارات التي رأت فيه سببا مهما في استمرار أرباحها، وربما أضافه الاقتصاديون أيضاً لدراساتهم الجدوى الاستثمارية للتوسع في فتح ورش سيارات جديدة، ذلك أنَّ عاما واحدا من مواصلة المسير عليه ستجعل السائق يستمتع يوميا بسمفونية القطع المتصدعة من سيارته أكثر من استمتاعه بمطربه المفضل. تبادلنا جميعا رسائل التهنئة بمناسبة افتتاح هذا الطريق، وكأنما هو افتتاح لفرع جامعة «هارفرد» أو فرع من فروع «ديزني لاند»، إلا أن أمطار الخير والبركة التي هطلت وضعت حدا لفرحنا، وساهمت في تلفيات واضحة في هذا الطريق الرئيس، لتجعل أصحاب السيارات السليمة متأكدين من قرب استمتاعهم بموسيقى أجزاء سياراتهم المتصدعة.

حينما كنا طلابا في المدارس، أثناء الامتحانات يكون المراقب أشبه برادار، ومع ذلك فإن هناك من يملك من «الفهلوة» للغش واستخراج «براشيمه» ما يسعفه لعمل ذلك، أما صيانة الطرق اليوم فلا تحتاج في أحيان كثيرة من المقاول أي «فهلوة» للتستر على قبح صنعه، كيف والمراقب من الأساس غير موجود، أيُّ سببٍ هذا الذي سيدفع أحداً للإخلاص في عمله حينما يكون المخلص والمتسيب على حدٍّ سواء، أيُّ سبب يدعو للأمانة حينما يجد الطريق مشرعاً لمضاعفة ربحه دون مساءلة.

قدَّر الله سبحانه وتعالى لي يوما أن ألتقي مسؤولا بلديا فسألته عمَّا إذا كانت عقود صيانة الطرق وسفلتتها «تعبيدها» تتضمن شروطا جزائية وضمانات إذا ما حصلت أي تلفيات، فكانت الإجابة مفاجئة حين قال: إن ذلك كله موجود، غير أن الإشكال في عدم وجود مراقبين. هذه الكلمة أرجعتني الى سنوات الطفولة حينما كنت أبذل كثيرا من الجهد للبحث عن «فضولي» في مجلة «ماجد»!. أنا لا أعلم كيف لطريقٍ يمر فيه يوميا عشرات الآلاف من السيارات يحتاج لمن يكتشف سوء «السفلتة»، لا أعلم كيف أصبح البحث عن مئات «المطبات» في شارع صغير كالبحث عن حبة في صحراء، المجتمع بأسره يراقب يا سادة، أفليست تكفي شكاواه؟! أليس يكفي أن تُرسل صور الشارع إليكم؟!، في اعتقادي لا يوجد أي مبرر منطقي لما نراه اليوم من فساد في مقاولي الطرق إلا الإشكال الإداري البلدي. أصبحت أمنيات كثيرين مقتصرة فقط على رؤية عدد قليل من الشوارع في المدن خالية من المطبات تماماً.

لا شك أن الانتخابات البلدية أفرزت شخصيات وطنية من أهل الكفاءة، ومع أن تصحيح البلديات أدنى بكثير من إمكاناتهم إلا أن بعضاً منهم فشل في هذه المهمة. هنا يبدو لي أن المشكلة ليست في هؤلاء، فوظيفتهم على حد علمي لا تعدو كونها استشارية، المسؤولية كما أعتقد هي في مجالس البلديات غير المنتخبة، التي أعتقد أن الوقت قد حان لمحاسبتها وفق القانون وإن كنت أعتقد أن الحل الأجدى هو أن تكون إدارات البلديات كلها منتخبة، وتكون هي من يملك القول الفصل والكلمة، أما في الوضع الحالي فلا أرى فائدة الانتخابات إلا أقل بكثير من المأمول. السنوات الفائتة هي التي أثبتت ذلك، ودلَّت بما لا يدع مجالا للشك أن المجالس البلدية المنتخبة لم تقدم شيئاً، هي مجالس لم تتمكن - بالمقدار الذي رأيته - من منح المجتمع أي دلالة على منفعتها. لا أريد من يتحفنا بخطط وردية، الواقع يا سادة واقع مرير، أحد الجسور على مقربة من مسكني العمل فيه شهر والتوقف شهران، وربما كان مثله كثيرا مما رآه الناس، مشاريع بسيطة لا تنتهي، وإذا انتهت كانت أسوأ مما لو لم تتم من الأساس. لا شك أنَّ التعميم غير جائز ومثلما هناك سلبيات كثيرة، فربما هناك إيجابيات، ولكن يبقى ما نطمح إليه أكثر بكثير مما نراه. أتمنى ختاما أن يكون مستقبل البلديات أفضل بمراجعة صلاحيات المجالس المنتخبة، لعل في ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح. وإلى حين ذلك لا يبدو الأمل في تصحيح البلديات كما يطمح المواطن لائحا في الأفق.