«الواسطة».. خيرٌ لابُدَّ منه
كثيرةٌ هي تلك المقالات التي كُتبت ولم تزل تُكتب في ذم الواسطة، هذا المصطلح الذي يُعنى بـه - في سياق ما كُتب - الحصول على فرصة عمل بطريقة غير نظامية، والمبررات تدور حول ما يؤديه ذلك من حجب فرصة عمل للشخص الأولى وما يتسبب فيه بالنتيجة من تعثر هذه المنظمة كوضع طبيعي لوجود أشخاص لا يستطيعون تحقيق المطلوب، هذا الشعار ترفعه أحياناً شريحة صادقة مع نفسها والمجتمع، وأحياناً تأتي من شريحة تحاول أن تمنح غيرها انطباعاً عن مثالية قد تكون زائفة أو مبرراً لرفض طلبات المساعدة المتعددة التي تأتيهم من هنا وهناك، هنا تبدو المفارقة غريبة حينما يكون هذا المسؤول هو أول من يمنح نفسه الحق في مخالفة النظام مستخدماً في ذلك مركزه الوظيفي ونفوذه في المنظمة.
إنَّني أعتقد أنَّ الوضع المثالي هو أن يُمنح الجميع ذات الفرصة للحصول على العمل، ولا ينبغي بالتأكيد أن يُمنح شخص الحق في كسر هذه القاعدة، ولكن حينما لا تستطيع الأنظمة أن تكفل المساواة في الفرص فحينذاك يكون الإصرار على المحافظة عليها هو في حد ذاته ظلم، وأنا أُصر على استخدام كلمة «ظلم» لأنني أعتقد أنَّ كفاءةً حُرمَ من حقه بسبب استحواذ من لا يستحق عليه، لا يمكن حل مشكلته إلا بأخذ يده ومساعدته إلى حيث يتبوأ مقعده المناسب، وأما من يسمح لنفسه بالوقوف في وجهه لاعتبارات النظام فإنَّه يُسهم ولو من غير قصد في الظلم، إذ إن النظام الذي ينبغي احترامه وتقديسه هو النظام الذي يكفل تكافؤ الفرص، وحينما لا يكون كذلك فهو نظام ظالمٌ يشترك في صفته من يُصر على احترامه والتشبث بمبادئه.
نعم «الواسطة خيرٌ لابُدَّ منه»، هي خير حينما تقود إلى تصحيح ما أفسده نظام لا يكفل المساواة، هي خيرٌ حينما تقود من يستحق إلى مكانه الصحيح، هي خيرٌ حينما تحقق لهذه المنظمة أهدافها التي سعت من أجل تحقيقها، وأما المحافظة على النظام الظالم فهي تماماً العكس، ولا يسعني أن أتهم أحداً أنَّه يهدف إلى ذلك، ولكن ينبغي على الإنسان السوي أن يكون كيِّساً فطناً، واعياً بحيث يستطيع إدراك المعنى السلبي للواسطة والمعنى الإيجابي لها.
حتى الساعة تمتلئ الصحف بمقالات ذم الواسطة، يكتب طلاب الجامعات البحوث في سلبيتها، ويبقى الإعلام المرئي هو الآخر معهم في حملتهم، وكثير من هؤلاء لا يقدمون حلولاً منطقية لصناعة النظام المحكم، وحينما يغيب هذا الأخير ينتفي دائماً السبب في ذمِّ الواسطة، بل لعلها تصبح واجباً أخلاقياً، ويبقى الأهم من ذلك هو حديث الأمانة والشرف، هذان المصطلحان اللذان يعنيان بالحد الأدنى أن ينظر المسؤول لأموال هذه المنظمة على أنَّها أمواله، وخسارتها خسارته، حينذاك فقط سيكون أكثر حرصاً على تطبيق ما يُبرئ ذمته وسينعم بنسبة عالية من الرضا الاجتماعي.
على المستوى الشخصي وإذا ما أُتيحت لي الفرصة لتقديم النصح لأي إداري فإنَّني ألتمس منه حين إجراء مقابلاته الشخصية مع الموظفين المتقدمين أن يحاول معرفة هذا الجانب فيهم، لأنني أعتقد أنَّ وجود هذه النماذج التي لا تستطيع أن تدرك حقائق الأمور بعيداً عن عناوينها الخادعة يؤدي بشكل كبير لانحدار هذه المنظمة، ذلك أنَّ هذا الشخص المتدني حينما أسعفته الطرق الملتوية للدخول فإنها كذلك ربما تسعفه إلى القيادة الإدارية وكبح من ليس لهم إلا كفاءاتهم عن دخول المنظمة بدعوى «أنَّني لا أُخالف النظام»، من هنا فمعادلة الكفة لن تكون كما أرى إلا بذات الطريقة، وتبقى كلمة النظام في هذا السياق - في حقيقتها - كلمة حق يُراد بها باطل، أو هي بالحد الأدنى جُبْن، وكلاهما مستقبح في الشخصية الإدارية.













