آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 6:54 م

فقراء لا يريدون العمل

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في تصريحٍ لمعالي وزير العمل المهندس عادل فقيه في الجلسة السادسة من جلسات منتدى التنافسية الدولي السابع والمقام في الرياض في الفترة 18 - 20 يناير الجاري أفاد بأنَّ نسبة التوظيف ارتفعت بنسبة 1.5% كما ارتفعت نسبة التوطين 30%، في دلالة تبدو للمتلقي للوهلة الأولى أنَّ إنجازاً يتحقق ولم يزل يتصاعد على مستوى محاربة البطالة، ومع أنَّها - أي النسب - تثبتها الوثائق الرسمية غير أنَّ الإشكال هنا هو في انضمام الشباب السعودي بالفعل لتلك المنظمات وليس فقط في وجود أسمائهم ضمن قيود الشركة، وبمعنى أوضح: أنَّ انخفاض نسبة البطالة هو في جزءٍ منه انخفاض وهمي بسبب التلاعب الذي تقوم به بعض الشركات في توظيفها للسعوديين.

ليست من الصدف القليلة أن تتجاذب أخي القارئ الحديث مع شاب وتسأله عن مكان عمله فيخبرك أنَّه «موظف سعودة» في شركة ما، ولن تستغرب كثيراً حينما تجد لديه ذلك الولاء الغريب لها ولواقعه الحالي، ذلك أنَّ الثلاثة آلاف ريال التي يتسلمها من هذه الشركة ومعها التأمين الطبي والاجتماعي نظير تسجيله ضمن قيودها كموظف تجعله أكثر حرصاً على دوام هذا الوضع ورفض كثير من عروض التوظيف التي تأتيه من هنا وهناك، إذاً أي معنى للعمل براتب أربعة أو حتى خمسة آلاف ريال في قيظ الصحراء ومشقة الطريق في حين يتسنى له الظفر بثلاثة آلاف ريال وهو في بيته ومع والديه؟!!!، أيُّ سبب يجعله يرجِّح تعرضه لاحتمال إصابات العمل في مقابل فرق مادي زهيد وهو في بيته؟!!!، هنا يبدو الحديث عن السعودة حديثاً تنغصه هذه الظاهرة التي بدأت في الظهور والتوسع.

من زاوية الشركات فإنَّها هي الأُخرى تعاني، فقيام بعض منها بعملية توظيف وهمي جعل الشباب يفاوضون من أجل الفوز براتب والجلوس في البيت الأمر الذي لوى عنق الشركات الأخرى وجعل بعضها يرضخ لهذا الواقع المرير، فكان أن ساهمت هي الأخرى في الأمر، حين تنازلت عن قيمها تحت الضغط لتتفاقم بذلك المشكلة إلى حيث وصلت الآن إلى وضع لا أبالغ حين أصفه بالمخيف والخطير، فقراء لا يريدون العمل، وكيف يعملون والمال يصلهم إلى بيوتهم دون عناء؟!، وكيف يعملون والشركات تتسابق على منحهم المال والراحة؟!.

إنَّني أعتقد أنَّ مشكلةً كهذه لا يمكن حلها إلاَّ بنظام رقابي آلي مربوط بمكتب العمل، وربما كان نظام البصمة هو أحد الخيارات الجيدة إلى حدٍّ ما، ويبقى التحقيق مع العاملين عن بعُد والمقيدين ضمن قوائم الشركة وكذا وجود جهاز للمباحث الإدارية هي الأخرى ربما للمساهمة في حل هذه الظاهرة أو التقليل منها، كما ينبغي وجود نظام مخالفات رادع وصارم على الشركات المتلاعبة، وأعتقد أنَّ الجدية والحزم في المخالفات وكذا التشهير ربما تنشر جواً من الحذر لدى الشركات بحيث تجعلها تنأى بنفسها عن الدخول في هذا المسلك المخالف.

إنَّ من العواقب الوخيمة التي أدت لها السعودة الوهمية هو تعثر الشركات الصغيرة، إذ إنَّها مطالبة بنسبة سعودة معينة ويتعذر عليها تحقيقها بسبب رفض السعوديين العمل، السعودي اليوم يرفض العمل وإن كان فقيراً لأنَّ المفاضلة بين المال والجلوس في البيت وبين المال والعمل مفاضلة محسومة النتائج، لذا فلا سبيل لهذه الشركات الصغيرة إلاَّ اتباع ذات الإسلوب بالسعودة الوهمية التي تتفشى يوماً بعد يوم، لتجعل الوثائق الرسمية تُبيِّن نسب توظيف وانخفاض في البطالة غير أنَّ كل هذه الإحصاءات غير دقيقة ولا تعبر بحال من الأحوال عن الواقع، أتمنى من وزارة العمل ممثلة بمعالي الوزير المهندس عادل فقيه ملاحظة هذا الأمر والسعي في تصحيحه ولا أشك أنَّه قادر بعد عون الله على ذلك.