الشتاء… حين تصنع الحكمة الرجال
في قريتي ”النويعمة“ بمحافظة وادي الدواسر، قبل أن تعرف البيوت نور الكهرباء، وقبل أن تُمهد الطرق وتزدحم الأسواق، كان للحياة إيقاع آخر، بسيط في شكله، عميق في معناه؛ لم تكن الفصول تغيّراً عابراً في الطقس، بل امتحاناً صريحاً للإنسان: صبره، وحسن تدبيره، وقدرته على الاستعداد لما لا يُرى.
كان لأجدادي لأبي جار وقور يُدعى العم ناصر، عُرف بالحكمة والهدوء، وكان الناس يلجؤون إليه إذا ضاقت بهم الرؤى؛ ومع أول بشائر الشتاء، كان يردد مثلاً شعبياً بصوت يشبه الوصية: ”الشتاء يأكل الحَزَم والرَّزَم“؛ لم يكن قوله تخويفاً، بل خبرة عمر، وكأنّه يطرق أبواب الذاكرة قبل أن تطرقها قسوة البرد.
وأذكر - رغم صغر سني آنذاك - أن ذلك الشتاء جاء مبكراُ وقاسياً؛ حيث هبّت الرياح الشمالية، ولبدت الغيوم السماء، وانهمرت الأمطار أياماً متتابعة؛ ومع مرور الوقت، بدأت المؤن التي جُمعت في الصيف والخريف تتناقص سريعاً؛ فحطبٌ ظُنّ أنه يكفي شهرين لم يصمد إلا أسابيع، وحبوبٌ خُزنت بعناية بدأت تنفد، حتى اضطرت بعض البيوت لتقليل وجباتها؛ عندها فقط، أدرك الجميع معنى المثل الذي كان يردده العم ناصر كل عام؛ فقد كان الشتاء حقاً يأكل ما جُمع بجهد، ويكشف وهم الاكتفاء وسوء التقدير.
وفي إحدى ليالي البرد، اجتمع كبار السن من جيران جداني حول النار في مجلس جدي الصغير، والقلق بادٍ على وجوههم؛ كان ناصر بينهم، صامتاً كعادته، ثم قال بهدوء ”: لم يقل أجدادنا هذا المثل عبثاً؛ عرفوا أن الشتاء لا يكتفي بما نعطيه، بل يأخذ أكثر مما نتوقع؛ فالحكمة ليست في الجمع وحده، بل في حسن التدبير؛ الشتاء يعلّمنا أن نُعدّ للمستقبل، وأن نُقدّر النعمة قبل أن نفقدها، وأن نعمل في أيام الرخاء لما قد يأتي من شدة.“
لا أعلم يقيناً، لكن يخيل إليّ أن تلك الكلمات فعلت فعلها؛ فقد تعاون الناس، وتقاسموا ما بقي لديهم من طعام وحطب، وشدّ بعضهم أزر بعض، حتى انقضى الشتاء بسلام، وخرجت القرية منه أكثر تماسكاً، وأعمق فهماً للحياة.
مرت الأعوام، وتبدلت الأحوال، وجاءت التكنولوجيا لتخفف من قسوة الفصول، لكن ذلك المثل الشعبي ما زال حياً فحين يشتد البرد اليوم، يعود صداه إلى الذاكرة، لا ليحذرنا من نفاد الحطب والمؤن فحسب، بل ليذكّرنا بأن التخطيط، وحسن التدبير، والتعاون، قيم لا تشيخ مهما تغيّرت الأزمنة.
فالشتاء، في كل زمان، يظل معلّماً صامتاً… ومن يُحسن الإصغاء، يتعلّم.
















