وجوه الحقيقة، قراءة انطباعية ثقافية
حيث أن قصة المؤلفة «سوزان عبد الرزاق الحمود»، تتعلق بالحقيقة، فدعني أخي القارئ أن نُعرِّفَ مفهوم الحقيقة عند الإمام علي ابن أبي طالب
، ”الحقيقة تدور حول الثبات واليقين، والوجوب الإلهي، والاتساق مع الواقع الموضوعي، حيث يربطها بالحق المُطلَق وهو“ الله ”، ويراها كما يطابق الواقع، وما هو ثابت لا يتغير، ويحث على إدراكها بالبصيرة والروح بعيداً عن الظنون والأوهام، ويشدد على التحقق من حقيقة الشيء قبل الكلام فيه، لأن الحقيقة، تنبثق من الصواب وتدُّلُ على الإحكَام واليقين“.
في منتصف ليلة لا قمر فيها، وُجِد رجل الأعمال عاصم مقتولاً في مكتبه بداخل قصره المطل على البحر، وعند الفجر وصل الخبر إلى المدينة، وبعد التحري قالت الشرطة: أن سرقة تحولت إلى جريمة، ولكن المحقق فارس لم يقتنع بهذا الاستنتاج وذلك بعد التحري الدقيق الذي قام به.
في أحد زوايا مكتب القصر، جلس أبو صفوان وهو رجل مسن أعمى يعمل حارسا في القصر، وجد في داخل المكتب نافذة محطمة، أدراج مقلوبة، ووثائق معينة مسروقة، بينما تُرِكت أخرى، هنا بدأت الحقيقة تكشف وجهاً لا يشبه الوجوه الأخرى. كان نديم وهو شريك عاصم السابق في المدينة ليلة الجريمة لكن فارس لم يقتنع بكذبه بكونه القاتل.
ليلى ابنة عاصم الوحيدة، كان والدها يخطط لحرمانها من الميراث لصالح الجمعيات الخيرية، نظراً لموقفها من طلاق والدتها، وكانت ليلى الوحيدة التي تعرف أين مكان الوثائق المهمة، قالت إنها لم تَسرِق شيئاً ولم تقم بقتل والدها.
بعد استدعائه من قبل فارس اعترف أبو صفوان بأن عاصم هدَّدهُ ببيع بيته، لأنه اكتشف تهريب بضائع كان يديرها مع شريكه نديم.
في قاعة المحكمة، تعددت الوجوه المتصارعة: هناك محام يشكك، وآخر يجزم، نديم يريد عدالته، ليلى تريد حقها، أبو صفوان يريد الأمان. محامي الدفاع ركّزَ على أن الدافع المادِّي هو الأصل وفي غمرة الجدل، وجَّهَ فارس سؤاله القاتل لأبي صفوان كي يصف له خطوات القاتل فأجاب بعين بصيرته عن ثبات خطوة وأخرى متعثرة، وهنا انفتحت أبواب الوجوه المغلقة.
القاتل لم يكن نديم ولا ليلى ولا أبو صفوان، القاتل هو الشريك السري لعاصم المتورط معه في التهريب لم يرد قتله أولاً، لكن بعد شِجار قصير أنهى القصة عَرَجَهُ الذي فضحه، كسر النافذة كان تمويهاً، أما الوثائق المسروقة من قبل ليلى فكانت صك براءة نديم، أما بقية الأشخاص فكانوا أبرياء ومذنبين في نفس الوقت. ليلى سرقت حقها قبل أن يُسرَقَ منها، نديم دخل بعد الجريمة ليزرع الأدلة، أبو صفوان كتم ما يُنجِي الحقيقة خوفاً.
يتمثل في الوجه الذي لا يُرَى أعلن فارس أمام الجميع بأن الحقيقة ليست وجهاً واحداً بل مرآة مكسورة، يحمل كل مِنَّا قطعة منها.
اختتمت المؤلفة قصتها بسؤال من شِقَينِ ومفتوح الإجابة، هل نبحث عن الحقيقة؟ أم نبحث عما يريح ضمائرنا فنُسَمِيه حقيقة.
برعت الأديبة ”سوزان الحمود“ في أسلوب سردها لأحداث قصتها، حيث تمكنت من تحويل أحداث قصتها، إلى لوحات فنية جذَّابة: عناصر اللوحة الأولى والثانية، تمكنت فرشاتها المتمرسة من رسم أجزائها بعناية فائقة، حيث زمجرة البحر وأصوات ارتطام زجاج مُتهَشِم، في جو ظلام دامس داكن السواد، شخوص اللوحتان الأولى والثانية، عبارة عن رجل أعمال مقتولاً في مكتبه المُطِّل على البحر، ومحقق جنائي بارع، لَملَم جُزيئات الحادث، وشاهدٍ يملك أذنين بدلاً من عينين، وشريك المقتول محترف قضايا التهريب.
اللوحة الثالثة، تألقت ”الحمود“ في رسم معالمها بدقة، حيث جعلت الجشع والغيرة العمياء ينطقان على لسان ابنة المقتول لأن والدها تزوج على والدتها.
اللوحة الرابعة، رسمت باحترافية عالية، ملامح الخوف واضحة التأثير على صفحات وجه الأعمى ”حارس مكتب رجل الأعمال“.
أما اللوحة الخامسة، فتَفنَنت الكاتبة في تصويرها لمشهد المحكمة، من خلال وجوه الشخوص: فهناك محامٍ يشكك، وآخر يجزم، ووجه الشريك نديم، الذي يريد عدالته، ووجه ليلى التي تريد حقها من إرث أبيها، ووجه الحارس، الذي يطلب الأمان، ووجه الحقيقة، التي تُريدُ أن تُقال، وهناك وجه محامي الادّعاء، الذي أكَّدَ تركيزه على أن الدافع المادِّي، هو الأساس لهذا المشهد الدموي، لوحة في غاية الإثارة، جسَّدت انفتاح أبواب جديدة، عكستها ملامح وجوه الشخوص جميعهم، ساعة أن وجَّه فارس، سؤاله الحاسم للحارس ”الأعمى“ عن وصف كيفية خطوات القاتل بدقة، حيث أفاد الحارس عن سماع خطوة تتسم بالقوة والثبات، وأخرى متعثرةٍ خفيفة، كأنها تُجَرُّ جَراً من قبل صاحبها.
اللوحة السادسة، فشملت الوجه الحقيقي لمعالم الجريمة، حيث رسمت ”الحمود“ وجه القاتل الحقيقي وهو الشريك السِرِّي للمقتول، المتورط معه في أمر التهريب والذي لا يريد قتله في بداية الأمر، ولكن قَتلَهُ جاء إثرَ شِجار حدث بينهما، رسَمَ نهاية القصة، شملت اللوحة أيضاً عناصر تكوينها: كسرُ النافذة الذي حدث على شكل مسرحية، والوثائق المسروقة من ليلى التي شكلت الصَّك الوحيد لبراءة القاتل، أما بقية عناصر اللوحة، فمَثَّلَت براءتهم على الرغم أنهم مذنبين في الوقت نفسه، لا أحدَ من العناصر المذكورة قام بالقتل، ولكن جميعهم شارك في جريمة القتل بطريقة ما في هذه اللوحة أيضاً، أبدعت الكاتبة ”الحمود“، في رسم لبناتها الأساسية، التي أوضحت أن الحق، والحقيقة شيء واحد لا يتجزأ عند الخالق عز وجل، ولكن يمثله البشر من خلال وجوه متعددة، كل وجه يحمل مصلحة صاحبه، وكل شاهد يُبصِر زاويته فقط دون الزوايا الأخرى، وتأتي بقية اللبِنات، التي تصور أن الظنَّ يحتمل الكذب والصدق، وهناك اليقين الذي لا يكذب، أما اللبنة التي أكملت معالم اللوحة، فهي أن الحقيقة الكاملة، لا يمكن لأحد التوصل إليها إلا بفضل الله عز وجل، ثم بالبحث والتحري الدقيقين عن كل زوايا الحقيقة.
اللوحة ما قبل الأخيرة، رسمت الغموض حيث الوجه الذي لا يُرَى من قِبلِنا نحن البشر، ألا وهو وجه الحقيقة الناصعة، ويبقى كل واحد منَّا في نهاية المطاف يمثِّلُ جزءًا من الحقيقة، وهنا تبرز براعة ”سوزان الحمود“، حيث رسَمت الحقيقة على شكل مرآة مكسورة تحمل شظاياها أجزاء الحقيقة، والتي شكلت العدالة على أنها الكفة الراجحة الموصِلة للحقيقة، ثم تأتي اللوحة الأخيرة، والتي تكونت من جزئين الأول رسَمَت شخوص القصة وأبطالها وهم: المحقق - الشاهد - وفرة المعلومات - الحق الخاص - والعدالة، أما الجزء الثاني فجاء على شكل تساؤلات لذواتنا نحن القُرَّاء وهذا أسلوب يُحرِّض القارئ على التفكير والتأمل، ويعكس نباهة المؤلفة.
ما يُمَيزُ أسلوب مؤلفة القصة، هو تذييل رأيها في نهاية لوحتها الفنية الرائعة في كل قصصها، استنتاج يقول إن الجريمة لا يمثلها قاتل واحد، بل أنها مشاركة من قبل مجتمع بأكمله يساهم عن وعي أو جهل في صناعة الجريمة والسؤال الذي يتعلق بالحقيقة هنا، هو هل نحن بِجِدٍ نبحث عن الحقيقة أم فقط نبحثُ عما يساهم في راحة ضمائرنا فنطلق عليه تجاوزاً اسم الحقيقة.
قصة ”الحمود“ هذه، جعلتني أستشهد بما قاله الفيلسوف الألماني «نيتشه»، حيث أقتبس ما يناسب المقام، وهو: ”أن عاشق الحقيقة، إنما يُحِبها وينصهر فيها لذاته، لا مجاراة لرغباته وما يوافق أهواءه، وبهذا يبلغ أول مرتبة من مراتب الحكمة“.
وهنا يتجلى لنا المبدأ ”القِيَّمِي“ الذي تركز عليه الأديبة القاصة ”الحمود“، حيث جسَّدت المعاني القيَّمِية الإنسانية، وجملة من الفضائل السامية مثل: الصدق - العدالة - الكرامة وغيرها الكثير، والتي تهدف إلى إصلاح المجتمع فرداً وجماعة.
وهذا كلُّه، انعكس في أسلوبها الجيد، الذي اهتم بتطوير أحداث القصة، حيث أصبحت أكثر اكتمالاً عِوضاً عن سردٍ مُجرّد، كما أنها قدمت تجربة أدبية مفعمة بالتصوير الواقعي، وتمكنت أيضاً، من تنويع نصِّها الذي كسَرَ الرتابة وأضاف للتجربة عمقها من خلال مفرداتها وجزالة جملها.
تركت ”الحمود“ قصتها مفتوحة النهاية مما أكسبها عمقاً وتأثيراً مستمراً، وأصبحت أكثر واقعية، وأضافت للقراءة بعداً تفاعلياً، وجانباً من الغموض أكثر متعةً، أما تأثيرها «النهاية المفتوحة» على القارئ، فجعلته يتساءل، الأمر الذي يحفِّزُ مُخَيَّلتَه، ويشحَذُ تفكيره النقدي، ويثير فضوله حول أحداث القصة لاحقاً. وهذا يُعدُّ هدفاً من أهداف كتابة القصة.
نتمنى لأديبتنا ”الحمود“ مزيداً من الألق والتوفيق في إصداراتها القادمة.
















