وزارة بنظام أرامكو
تأسست أرامكو «شركة الزيت العربية الأمريكية» عام 1933 حينما منحت الحكومة شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا «سوكال، شيفرون حالياً» حق التنقيب عن الزيت في المملكة، وتمَّ تحويلها بموجب مرسوم ملكي عام 1988 إلى أرامكو السعودية، تعاقبت على الشركة إدارات أمريكية حتى العام 1984، حتى حلَّ المهندس علي النعيمي رئيساً لها حتى 1994، تلاه عبدالله جمعة حتى ديسمبر 2008 ويرأسها الآن المهندس خالد الفالح. تتمتع أرامكو بنظام إداري متميز جعلها وأسباب أُخرى إحدى الشركات الرائدة في مجال عملها، هذا التميز في الجانب الإداري هو ما يجعلنا اليوم نتساءل عن السبب في عدم استنساخه في أماكن أُخرى لديها القدرة على ذلك، لا سيما الوزارات المختلفة في ظل وجود الإمكانات المادية الكبيرة لذلك.
أعتقد أنَّ أي منظمة تحتاج لكي تنجح - في الوضع الطبيعي - إلى أربعة أمور أساسية: الإدارة الجيدة، الموظفين ذوي الكفاءة المطلوبة، الإمكانات المادية، وإدارة مراقبة الجودة والأداء، وبناءً على ذلك فإنَّ الوزارات المختلفة «الإدارات الرئيسة» وإذا ما أردنا تقييم مدى قدرتها على أداء المهام الموكلة إليها ينبغي النظر في هذه البنى الأربع، وفي اعتقادي أنَّ ما نراه اليوم من وجود الوزير الجيد والإمكانات المادية العالية لدى الوزارات لن يكون سبباً في نجاحها، وحتى إن نجحت تبقى هناك إمكانية لتحقيق كثير من النتائج الإيجابية بأفضل مما حقق، كلُّ ذلك يرجع إلى عدم وجود خبرات وظيفية عالية المستوى لدى الوزارات المختلفة تستطيع أن تمنح إداراتها النتائج المطلوبة وتحقيق الخطط المعدة، كما لا توجد إدارة جودة وظيفتها الدائمة تطوير معايير الجودة ومراقبتها في كل الأعمال المختلفة، بحيث لا يتغير أداء الوزارات هبوطاً بتعاقب الوزراء.
حينما تمَّ تأسيس أرامكو، فإنَّ عنصر البناء الأهم وهو الإنسان قد تمَّت تهيئته بشكل فاعلٍ ليكون كما ينبغي له، ومنذ وقتٍ بعيد وأرامكو مستمرة في تطوير موظفيها علمياً ومهارياً وحتى سلوكياً، اليوم وفي ظل وجود معروض كبير من الكفاءات المتميزة، فإنَّ مهمة إدارة التوظيف في أرامكو وغيرها من الشركات أصبحت سهلة كثيراً في التدعيم بأفضل الموظفين، الوظائف الحكومية إجمالاً كانت بمنأى عن هؤلاء الأكفاء، بل لا خطأ إن ادعيت أنَّ النسبة الأغلب من هؤلاء لا يرغبون في العمل بالقطاع الحكومي، كيف والأجور متدنية بشكل كبير؟!، وبمقارنة بسيطة فإن أرامكو تقوم بتوظيف الخريج الجامعي في أغلب الأحيان على الدرجة «11»، التي يبلغ الحد الأدنى للراتب الأساسي فيها 12.590 ريالاً «حسب سلم رواتب 2012» «وهناك تفصيل يطول الحديث فيه حول مَنْ يعمل بأقل من الحد الأدنى»، وحينما تعلم أخي القارئ أنَّ الموظف يستلم في السنة 17.6 راتباً، فإنَّ إجمالي الراتب الشهري سيكون 18.465 ريالاً، مضافاً إلى ذلك نظام صحي لهم ولأولادهم وللوالدين، وادخار وقرض سكن بواقع 50 راتباً أساسياً مضافاً إليه 150 ألفاً و200 ألف منحة أرض، يكفي كل ذلك لبناء بيت ويُعاد دون فوائد، بل ويُعفى من جزءٍ منه وبالنتيجة فإنَّ موظف أرامكو غير مستغل من البنوك السعودية، التي تصل فوائد القرض العقاري في بعضها على مدى 25 سنة إلى 75% من إجمالي القرض أي مليون ونصف المليون كفوائد فقط في قرض مقداره مليونا ريال، وفي نهاية كل عام تطل علينا إدارات البنوك مستبشرة بأرباحها الفلكية التي ربما ضاهت ميزانيات دول ولا أظنها إلا من ظهر المواطن المسكين، في مقابل ذلك فإنَّ الشاب المتخرج في الجامعة ويعمل في أي وزارة بوظيفة على المرتبة السادسة فسيكون راتبه حسب سلم رواتب الموظفين العام المعتمد بالأمر الكريم رقم «4097/م ب» وتاريخ 25/6/1432 قدره 6.065 ريالاً، وإذا كان التوظيف على المرتبة السابعة فسيكون 7.010، وعلى ذلك يكون الفرق بينه وبين موظف أرامكو حين التوظيف ما يزيد على 250%، حينما تعرف أخي القارئ كل هذه التفاصيل ستدرك السبب البديهي الذي يجعل أي كفاءة متميزة ترفض العمل في الحكومة وتتجه لشركة مثل أرامكو، كما ستدرك كذلك السبب الذي سيُبقي أرامكو متميزة في حين أن الوزارات ليست بهذا المستوى، لسائلٍ أن يسأل ويقول: المقارنة لا ينبغي أن تكون بين قطاعين مختلفين، فأرامكو تُقارن بمثيلاتها من شركات النفط والوزارات كذلك تقارن بمثيلاتها، وللرد أقول إنَّ المقارنة هنا هي مقارنة بين منطقية الدافع الذي يدفع للتوجه لأرامكو على حساب الحكومة، كما هي مقارنة بين حساسية الوزارة «الإدارة الرئيسة فيها» كإدارة منوط بها أعمال غاية في الخطورة وبين أرامكو، هذه أسباب أجدها منطقية لتكون الوزارات ذات سلَّم وظيفي لا يقل عن أرامكو، وإن كانت الوزارات في البلدان الأخرى ذات متوسط مختلف، فبلدنا بلد نامٍ وهو بحاجة لجهود جبارة في كل قطاعاته تستطيع الارتقاء والنهوض به في كل شيء.
إنني أعتقد أنَّ أي وزارة تود الارتقاء بنفسها يجب عليها وضع سلم أجور جيد، ووضع نظام ادخار وقروض عقارية وتأمين صحي جيد، بحيث تمثل كل ذلك عوامل جذب للكفاءات المتميزة للانضمام إليها، كما تحتاج لإدارة مراقبة جودة تُناط بها دائماً مسؤولية تطوير المواصفات والمقاييس لإبقاء كل العمليات بدرجة متميزة، حينذاك سنستطيع رؤية الوزارات قادرة على تنفيذ خطط كثيرة التي تُفصح عنها كل عام، وسينعكس ذلك إيجاباً على الوطن والمواطنين، أما دون ذلك فإنني أعتقد أن عملها سيشوبه كثير من المصاعب التي ربما تجعل النتيجة أقل ما يُراد له.













