وقتٌ لنسيانِ العَالم
«قراءة في ”خربشة الراديو الخشبي“ للكاتب عمر بو قاسم»
تزدادُ الضغوط على الإنسَان فيزدادُ العالم تعقيداً؛ لهذا يلجأُ إلى الهرب والابتعادِ عن المشكلات ومحاولةِ نسيانها، إذ كلَّما تقدَّم في السن وحاول تجنُّب أخطائه انغمسَ أكثر، وكأنَّه يعيش حُلماً عبثيًّا لا طائل من ورائِه ولا جدوى من تكرارِه، لكنه مضطرٌّ للاستمرار والممارسَة، هذا هو شعورُ المرء مع بلُوغ السِّتين، وهو ما تطرحه نصوصُ ”خربشة الراديو الخشبي“ للكاتبِ عمر بو قاسم.
الاتجاهُ للعزلة وطلبُ السكينة والهدُوء، جعل الأسئلةَ تزداد حولَ جدوى الوجودِ والهدف من العيش؛ لذا حاول تلمُّس طريقه المستقبَلي، فالتفتَ للتفاصيل والهوامشِ والأشياء التي لا يحفلُ بها أحد، إلى أن غدَت حياته احتفالاً بالهامشيِّ واللا مرئِي؛ كحالِ ”الطاولة المقشرة“ التي انتبهَ لها وتعجَّب من الخلل في شكلِها.
معَ كل تفصيلٍ مُكتشَف تنهمرُ السعادة ويمتلئُ القلب، كأنَّه اكتشف أمراً غاب عن البقية، إذ في عمرِ السِّتين تتاح للإنسانِ فسحة من التأمُّل، فيتمكن من رؤيةِ الأشياء على حقيقتِها؛ ليبتعدَ عن ملاحقة الأمورِ المعقَّدة والكبيرة، وينشغلَ بذاته وبنسجِ الفرح من حولِه.
ما بعدَ السِّتين ليسَ كما قبلَها، يتأكَّد المعنى عبرَ الاحتفال بكلِّ ما هو اعتياديٌّ ورتيب ولا مرئِي؛ مثلَ ”النافذة - المقهى - الطاولة“، التي غدَت تحتل مكانة أساسيَّة في تفكيرِه، فما يحدثُ إنما هو انكفاءٌ وغوص وتأمُّل في الوجودِ وكيفيَّة العيش؛ لتغدو الحقيقةُ أكثر انكشافاً ووضوحاً، فما كان مهمًّا وأساسيًّا بات هامشيًّا ومقصيًّا، وهنا ستنقلبُ المعايير وتختلفُ الأولويات والمقاربَات.
تحتلُّ الألوان مساحةً واسعة في حياتِه، إذ لكلِّ تفصيل من تفاصيلِ الحياة لونٌ مختلف، ولكلِّ لون رائحةٌ وطعم ونمطٌ ومزاج، وبسببِ كثرتها وتنوُّعها غدت مسألة تذكُّرها في غايةِ الصعوبة؛ لذا وضعها جانباً وأكمل حيَاته، ومع بلوغِ السِّتين تفاجأَ بها! فعادَ وراقبها ليكتشفَ الفروقات بينها، حتى أدرك أنَّه ”ليس لديه لون مفضل!“، أو تفصيلٌ مهم.
عدمُ وجود لون مُفضَّل، وعدمُ وجود هدفٍ يشغله ويسعَى لتحقيقه؛ يعني عدمَ انخراطه في الحيَاة، اكتشافٌ تأخر أكثرَ من عشرينَ سنة، مارسَ خلالها الأخطاءَ دون أن ينتبهَ أنها أخطاءَ ”لم أضع الوردة الحمراء في جملة مفيدة“: ”الأعوام العشرين الماضية لن تعود لأعيشها، لن أُمنِّي النفس بكذبة، نعم، أنا رجل على مشارف الستين وأعزب وأكذب كثيراً على نفسي حتى تكون حياتي سهلة، ولكن هذه المرة يختلف كل شيء، لا يجوز إلا أن أترحم على الأعوام العشرين الماضية، رحمة الله وسعت كل شيء... أنا لا ألوم نفسي ولا ألوم أحداً..، هذا شيء يصعب تفسيره“.
الحاجةُ إلى الأشياءِ الصغيرة والتفاصيلِ الهامشيَّة؛ تمثل الحاجةَ إلى الحياةِ ذاتها، فلا حياةَ إلا بالتفاصيلِ والهوامش، إذ لا يستطيعُ تركها أو الابتعادَ عنها؛ لأنها تمثِّل أحزانه وأفراحَه ومشاعره وأفكَاره، فاتجه للبحثِ عنها ومحاولةِ اكتشافِها ”طيور ستارة النافذة..!“: ”لم يكن بيني وبين الحياة عهد ولكن لم تخذلني! ليس من السهل أن أكون حزيناً..!، أيضاً، ليس من السهل أن أكون سعيداً..!، أُعبِّر عن كل هذا بكلام مفهوم وغير مفهوم، بيني وبين نفسي هذا ما أقوله، أحياناً، نعم، أحياناً، المهم والأهم أنني أسمع صوتي“.
الفراغُ الناجم عن التقدُّم في العمر يُعطيه فسحة لممارسةِ الأشياء التي يُحب، كما يمنحه وقتاً كافياً لمراجعة قناعاتِه واختيار اتجاهاتِه، فللزمن حكمتُه وللأيام تأثيرُها، وبالنسبة إليه ما زالَ قادراً على صناعةِ أيامِه ”مستطلعاً صباحي..!“: ”بكيت عندما ماتت شقيقتي..، بكيت كثيراً..، لو هجرتني الطيور، حتما، ما كنت بكيت..، وما كنت أبدأ صباحي، وأنا أقف بعد أن أخطو خطوتين أمام باب البيت،... رجل على مشارف الستين، أنا، ولكن لست مهجوراً، نعم ما زلت استطلع صباحاتي..!“.
ثمَّة وقت للعَالم وآخرُ للذات، السُّتونَ في المنتصف، فما قبلَها ليس كما بعدَها، ما قبلها اهتمامٌ بكل الأمور، مع تركيزٍ على الأساسي والمعقَّد، وبحث جادٍّ عن حلول للمُشكِلات، أما ما بعدَها فللتأمُّل والنظر إلى الأمورِ الهامشيَّة وغير الهامة، وابتعادٍ عن المشكلات والتَّعقِيدَات؛ ما يمنحُه فرصة لرؤيةِ الحقائق كَما هي، لتنهارَ رؤيته القديمةُ للعالم، وتتشكَّل رؤية جديدة تركِّز على الهامشيِّ والمقصيِّ واللا مرئِي.











