آخر تحديث: 25 / 4 / 2026م - 4:51 م

العشيرة سند المجتمع

الدكتور ماهر آل سيف *

في المجتمعات الجميلة لا يعيش الإنسان وحده، ولا يمضي في الحياة كغصنٍ مقطوع من شجرته؛ بل يستند إلى أهلٍ وعشيرةٍ وجيرانٍ وأحبةٍ وأصدقاء، يمدّون في روحه الطمأنينة، ويزرعون في طريقه الأمان. وما أجمل المجتمع حين يكون كبيرًا بأخلاقه قبل عدده، عزيزًا بتراحمه قبل أسمائه، متماسكًا بمودته قبل مجالسه.

إن العشيرة بمعناها الواسع ليست عصبيةً ضيقة، ولا تعصبًا أعمى، ولا انتصارًا للخطأ، بل هي رابطة إنسانية نبيلة؛ تقوم على النصح لا الفضح، وعلى العون لا المنّ، وعلى الوفاء لا المصلحة. أن تكون سندًا لابن عمك، أو جارك، أو صديقك، لا يعني أن توافقه في كل شيء، بل أن تحفظ مكانته، وتنصحه برفق، وتعينه عند الحاجة، وتقف معه إذا ضاق به الطريق.

وقد كانت القرية قديمًا مدرسةً واسعة للعلاقات الاجتماعية؛ يعرف الناس وجوه بعضهم، ويفرحون لفرح بعضهم، ويحزنون لحزن بعضهم، وتتقارب البيوت حتى كأنها بيت واحد بأبواب كثيرة. كانت المصاهرة تزيد القرب قربًا، والجيرة تصنع ألفة، والمجالس تحفظ الود، والعادات تجعل الإنسان حاضرًا في حياة الآخرين لا غائبًا عنهم.

ثم جاءت المدينة باتساعها وزحامها وسرعتها، فأعطت الإنسان فرصًا أوسع، لكنها أخذت من وقته وهدوئه شيئًا كثيرًا. كثرت العمارات وقلّت الزيارات، تقاربت المسافات في الخرائط وتباعدت في القلوب، وصار الإنسان يرى الوجوه كثيرًا ولا يعرف أصحابها إلا قليلًا. ومع ذلك، فالمدينة لا تُلام وحدها؛ فالقلوب إن أرادت القرب صنعت له طريقًا، وإن أرادت الجفاء صنعت له عذرًا.

ومن هنا يصبح واجب العقلاء أكبر؛ أن يحفظوا للمجتمع دفأه، وللعشيرة صفاءها، وللجيل الجديد ذاكرةً بيضاء لا تثقلها خصومات الأمس. فليس من الحكمة أن يرث الأبناء غضب الآباء، ولا أن يحمل الأحفاد خلافاتٍ لا يعرفون بدايتها ولا يستفيدون من استمرارها. إن الخلاف إذا بقي في صدر صاحبه مات معه، أما إذا زُرع في الصغار صار شوكًا في طريق المستقبل.

وما أرقى المجتمع حين يرى أفراده بعضهم سترًا لا سيفًا، وسندًا لا خصمًا، ووجهًا يُطمئن لا صوتًا يُخيف. فالمكانة الحقيقية لا تُبنى بالطعن في الأقارب، ولا بإلغاء أدوار الآخرين، ولا بتصغير من وقف يومًا مع الناس؛ بل تُبنى بحفظ الفضل، ورد الجميل، وجبر الخاطر، وتقديم الكلمة الطيبة قبل العتاب القاسي.

إن المجتمع الراقي لا يخلو من اختلاف، لكنه يعرف كيف يختلف بلا قطيعة، ويعاتب بلا إهانة، ويتباعد قليلًا دون أن يهدم الجسر كله. ففي النهاية، ما أجمل أن تكبر المدن وتبقى الأرواح قريبة، وأن تتسع العشيرة فتتسع معها الرحمة، وأن يقال عن الناس: اختلفوا يومًا، لكنهم لم ينسوا الود، ولم يبيعوا القرب، ولم يورّثوا أبناءهم إلا المحبة.