آخر تحديث: 25 / 4 / 2026م - 4:51 م

متى نقول عن كتاب إنه مؤثر؟

يوسف أحمد الحسن * صحيفة الجزيرة

يمكن القول إن كتابًا ما مؤثر حينما يترك فينا أثرًا لا يُمحى بكلماته وعباراته أو بأفكاره، إيجابًا أو سلبًا حتى، بعد من الانتهاء من قراءته. هو نفس الأثر الذي يتركه البعض فينا حينما نلتقيهم، فنميزهم عن آلاف الأشخاص الذين يمرون بحياتنا مرور الكرام فلا نلتفت إليهم وقد ننساهم بعد مدة وجيزة.

وتتجلى مظاهر تأثير كتاب ما بأشكال متعددة؛ منها شعور بالراحة الغامرة أثناء تصفح الكتاب أو قراءته، حتى إن القارئ قد ينسى أنه يقرأ، ولا يلتفت إلى أي مشتتات قد تحيط به، ولا يعير الوقت أي انتباه، وقد ينهيه في جلسة واحدة أو اثنتين.

قد يبعث ذلك الكتاب في قارئه حماسًا غير عادي يجعله في مستوى آخر من التفاعل والاندماج مع معطياته ينعكس في تبني مضامينه والعمل بها، وربما التبشير بها.

ولا يتوقف تأثيره على فترة قراءته، بل يتواصل إلى مديات زمنية أبعد، حتى مع نسيان محتوياته؛ فقد يغير نظرة قارئه إلى الحياة أو إلى ما حوله، جاعلًا إياه ينظر إلى الأمور بمنظار مختلف، وذلك أشبه بما قد يحدث لأحدنا عندما يمر بمواقف متعددة يشعر بعدها بأنه نضج سنوات عديدة فوق نضجه.

يترك هذا الكتاب تغييرًا على سلوك قرائه، وقد تترك بعض كلماته بصمات على طريقة تفكيرهم، وتدخل مفرداته في أحاديثهم. وقد يبلغ تأثير كتاب ما أن يصبح مرجعًا للقارئ حين يخطر بباله على الفور عند الوقوع في مشكلة، فيتذكر أنه قرأ عنها في مكان ما في ذلك الكتاب، أو حتى إنه قد يتذكر شخصية في رواية وقعت في نفس المشكلة وكيف خرجت منها. هو مؤثر أكثر حينما يأتي في الوقت المناسب، حاملًا معه إجابات عن أسئلة ينتظرها القارئ بشغف.

يصبح الكتاب مؤثرًا حينما يغير أولوياتك في الحياة، ثم يهز قناعاتك ويجعلك تتبنى قيمًا جديدة تستبدل بها قيمًا طالما آمنت بها. هو تمامًا كالفأس الذي يكسر البحر المتجمد فينا «فرانز كافكا».

حينما تشعر أن كتابًا يعبّر عما في داخلك بشكل لم تستطع أنت أن تعبر عنه، وحينما تشعر بأنك خرجت من قراءة هذا الكتاب أكثر مرونة وأكثر تعاطفًا مع الآخر، بغض النظر عن هذا الآخر؛ فإنه يمكن القول بكل اطمئنان إن هذا الكتاب مؤثر.

كما يُعد الكتاب مؤثرًا حينما يمنحك طاقة إيجابية ملؤها الأمل وزيادة الفاعلية والتصالح مع الذات. ولذلك فإنك حينما تنتهي من قراءته تشعر بأنك ودعت صديقًا جيدًا كما يقال.

وحتى حين يترك أي كتاب في داخلك مشاعر سلبية، كالغضب أو اليأس، أو حتى الريبة من الناس، فإنه مؤثر، لكن على طريقته، وينبغي الحذر منه حتى لا يسهم في إخراج السيئ الذي بداخلك. ليست دعوة لقراءة الكتب التي تتماهى مع ما أنت فيه، بل دعوة للانتباه إلى ما تقرأ، والمكان الذي تأخذك إليه، حتى إن خالفت توجهاتك ونكأت بعض الجراح فيك؛ بل إنها قد تتسبب في جراح جديدة لكن لصالح رؤيتك لحياة أفضل وتفكير أكثر صفاء.

يستطيع كتاب ما أن يترك تأثيرات حتى في المجتمعات والأمم، لكن تأثيره ليس بنفس حجم وسرعة تأثيره في الأشخاص، وذلك بسبب تعاظم أعداد المتغيرات في معادلة الأمم مقارنة بالأشخاص.

وختامًا فليس بالضرورة أن يكون الكتاب من قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في العالم حتى يكون مؤثرًا، بل يكفي أن يلامس مشاعر قارئه، مع سلطة فكرية قوية عليه أثناء قراءته وبعدها، حتى مع نسيان تفاصيله.