آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 6:54 م

صناعة القائد.. نظمي النصر مثالاً

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في مقالي الفائت «وزارة بنظام أرامكو» تحدثت عن أربعة عوامل رئيسة أظنها - في الوضع الطبيعي - قادرة على النهوض بأي منظمة وهي: الإدارة الجيدة، الإمكانات المادية، الكفاءات الوظيفية وجهة للرقابة على الجودة وتطوير المعايير، من دون هذه البنى الأربع لا أعتقد أن منظمة ما ستسير على نحو ثابت من تحقيق الأهداف، في هذا المقال سأتحدث عن صناعة القائد الذي أظن أن أي منظمة تخلو منه ستبقى دائماً في تخبط ولن تستطيع تحقيق أهدافها.

قبل الشروع في الحديث عن القائد يبرز سؤال مهم وهو مقدمة لتناول الأمر: هل القيادة علمٌ يُدرَّس أم أنها مهارة وموهبة تُخلق في الإنسان، في كتب الإدارة تجد سؤالاً كهذا في المقدمة وحوله كلام طويل حاصله أنها مزيج من الإثنين، بمعنى أن علماً فقط دون مهارة لن يكون كافياً والعكس صحيح، من ذلك فإن «القيادة» هي صناعة تحتاج أولاً لتمييز من يمتلك الموهبة وإلى صقله بالعلم والتجربة كمرحلة تالية ليكون كما ينبغي له، من هنا فالاعتقاد أن كفاءة علمية عالية كدكتور يعمل في سلك التدريس الجامعي مثلاً قادر على إدارة منظمة يبدو اعتقاداً غير صحيح كما أعتقد، كما أن موهبة تملك فطنة وذكاء هي كذلك كسابقتها لن تكون كافية لتصنع قائداً.

أرامكو السعودية كشركة تم إنشاؤها قبل 81 سنة عام 1933 كانت شركة رائدة في صناعة القائد الإداري، فقد شرعت في ذلك عن طريق تمييز المواهب وتعليمهم وابتعاثهم إلى أفضل جامعات العالم ومن ثم التدرج الوظيفي والإداري بحيث يكون حينما يصل إلى رئيس أو «نائب رئيسvies president» قائداً إدارياً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، ومن الأمثلة المبهرة التي استطاعت أرامكو صناعتها المهندس نظمي النصر، الذي تقلَّد كثيراً من المناصب الإدارية المهمة خلال مشواره الوظيفي كمدير مشروع مسؤول عن جميع البرامج الرأسمالية في حقل الغوار للزيت، ومدير مشاريع خطوط أنابيب الزيت والغاز في أرامكو، ومدير لبرنامج تطوير حقل الشيبة ومدير لإدارة التخطيط للمدى الطويل والعضو المنتدب لشركة البترول السعودي لما وراء البحار المحدودة قبل أن يختتم مشواره في أرامكو بوظيفة نائب للرئيس التنفيذي للخدمات الهندسية، وقد تم تعيينه فيما بعد في منصب النائب التنفيذي للرئيس للشؤون الإدارية والمالية لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «KAUST» في ديسمبر 2008، وكان قبلها رئيساً مكلفاً للجامعة منذ تأسيسها، وقد صدر الأمر الملكي الكريم رقم «أ/68» وتاريخ 3/5/1435 هـ القاضي بإعادة تكوين الهيئة الاستشارية للشؤون الاقتصادية في المجلس وذلك لمدة عامين اعتباراً من تاريخ هذا الأمر وعين على إثرها عضواً في الهيئة الاستشارية في المجلس الاقتصادي الأعلى السعودي.

هذا التاريخ الكبير للمهندس نظمي هو نتيجة طبيعية بعد توفيق الله لشركة استطاعت الاستثمار في المواطن السعودي فمنحته العلم والتدريب والفرصة فصنعت قادة قادرين على شغل أعلى المناصب الحساسة والمهمة لديها في الشركة وفي البلاد عموماً، لتثبت أنَّ هذا المواطن قادر متى ما سنحت له الفرصة على الإبداع والتفوق في كل المجالات ولا يحتاج لوصاية غير السعودي، الذي لم يزل مع الأسف الشديد كثير من رجال الأعمال في شركاتهم يمنحونه على حساب السعودي أعلى السلطات والمناصب وأعلى الأجور وكأنما قد خلت هذه البلاد من الكفاءات ولزمنا من يرشدنا ويعيننا على إدارة منشآتنا من الخارج، كما حاول بعض هؤلاء المتنفذين غير السعوديين تحجيم السعوديين وإقناعهم أنَّهم بالفعل غير قادرين على الإدارة ويحتاجون لغيرهم دائماً في تسيير أعمالهم، وحتى مع رجوع قوافل الشباب السعودي من الخارج متوجين بوثائق تخرجهم من أفضل جامعات العالم لم يزل أصحاب الشركات غير قادرين على تغيير فكرتهم ومنح هؤلاء الشباب الفرصة.

نظمي النصر هو كفاءة من مجموعة كبيرة من الكفاءات الموجودة في أرامكو وغيرها أسعف بعضهم التوفيق كمعالي المهندس علي النعيمي والمهندس ضيف الله العتيبي للانخراط في العمل الحكومي وخدمة بلادهم وهناك مجموعة كبيرة أخرى كان التقاعد نهايةً لمشوارهم العملي، في اعتقادي أنَّ هؤلاء الكفاءات العالية والقادة الكبار يستطيعون خدمة البلاد وتقديم الكثير له واستقطابهم كمسؤولين أو مستشارين سيسهم في نقل تجاربهم الطويلة إلى المنظمات التي تستقطبهم لتكون النتيجة إيجابية جداً، كل التبريك والتهنئة للمهندس نظمي على منصبه الجديد وأسأل الله له دوام التوفيق والنجاح.