آخر تحديث: 1 / 5 / 2026م - 3:31 م

رياحين منثورة «2»

ورد عن أمير المؤمنين : «.. فإنَّ المرأة ريحانة وليستْ بقهرمانة» [نهج البلاغة ج 3 ص 56].

مما تقدّم حول بيان طبيعة شخصية المرأة القائمة على الرقة والعطاء الوجداني الدافئ، يتّضح ذلك الدور الكبير الذي تؤدّيه في نطاق الأسرة تكاملا وتعاضدا مع الرجل، حيث يسهم توزيع الأدوار بين إدارة وعاطفة ومشاركة في هموم وترسيخ الاستقرار في إقامة بناء متوازن يُثري الحياة الآمنة والفاعلة والمثمرة بينهما، فالجانب العاطفي عند المرأة يمدّ تلك العلاقة بما يحافظ على استقرارها في أوقات الشدة والأزمات.

والدعوة إلى تجنيب المرأة الحياة القاسية فتتحمّل أعباء نفسية وبدنية تفوق قدراتها

، هو تأكيد على دورها وتواجدها في البيئة الأسرية وذلك العطاء العظيم الذي تقدّمه في حياة مشتركة مع الرجل وفي تربية أبنائها مستقبلا وتوجيههم ومتابعتهم، فتلك الأجواء العاطفية ليست بالأمر الهامشي في العلاقات الزوجية والبناء الأسري بل هي في صميم ترسيخه والحفاظ عليه، وهذا لا يعني حصر دورها في زاوية ضيقة تلغي وتختزل قدراتها المتنوعة في إثبات الذات والعطاء المجتمعي، فالتعامل المنصف هو الذي يراعي طبيعتها ويحترم ما تتمتّع به من قدرات واحتياجاتها النفسية والوجدانية، فالريحانة يمكن أن تكون عالمة ومربية لكنها تبقى بحاجة إلى بيئة تحفظ إنسانيتها لا تستنزفها.

فعلى المستوى الأسري تقوم العلاقة المشتركة بينها وبين الرجل على أساس التبادل العاطفي والاحترام والتفاهم والثقة، فالرجل سند لها في تحقيق ذاتها وطموحاتها وتبادل وجهات النظر معها وصولا إلى تلاقٍ وتلاقح فكري وتقارب عاطفي يحفظ علاقتهما في أعلى درجات الألق والتكامل، فالتعامل القاسي أو الإهمال يكون سببا في ذبول تلك الريحانة بينما الكلمة الطيبة تُنعشها وتلبي احتياجاتها، كما أن مراعاة الظروف والطاقات النفسية والبدنية للمرأة يسهم في التوازن بين عطائها ورعايتها لذاتها.

الهموم والأزمات والخلافات الأسرية بحاجة إلى عامل إطفاء يخمد لهيب الانفعال والاختلال النفسي والعاطفي، والمرأة بحسب طبيعتها يناسبها هذا الدور فتعمل على تحويل أنظار الأسرة نحو الحوار والتفاهم وتبادل وجهات النظر بدلا عن التهور وتفلّت الكلمة، كما أن البعد الريحاني في شخصيتها يعمل بشكل فاعل في تربية الأبناء واحتوائهم، وهي قيم لا يمكن أن تُستبدل بالصرامة وحدها بل تتآزر مع حنان الكلمة والموقف وصولا إلى مرحلة تحمل المسئولية وتصحيح الأخطاء والمضي بقوة فاعلة بعيدا عن أحمال الضغوط والتوترات.

والخلاصة أن التوازن الحقيقي بين العقل والعاطفة يفسح المجال للمرأة لتكوين ذاتها بما يتناسب مع طاقتها وقدراتها دون أن تُجبر على تقمّص أدوار لا تُشبهها، فالمرأة النصف الآخر من أعمدة الأسرة ودورها الكبير يتآزر عندما يُعتمد مبدأ الرحمة والوعي بالفطرة والتكامل بين الأدوار، فالمرأة حين تُعامل كريحانة تُزهر حياة ملؤها الطمأنينة والراحة النفسية، وتنشيء أجيالا متوازنة وتضفي على البيت روحا لا تُعوّض، ومن خلال هذه الحكمة النيّرة يمكن الاسترشاد بهدي يقود نحو بناء أسرة متماسكة يسودها الحب، ويقوم بنيانها على الفهم العميق لطبيعة الإنسان وتركيبته النفسية والعاطفية.