آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

محتكر يتحدث عن الجودة

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في زيارته لعمان، قدَّم لي ميونغ باك الرئيس السابق لكوريا الجنوبية في السابع عشر من مارس الجاري محاضرة حول تاريخ كوريا والتنمية بأشكالها المختلفة فيها، ولعلَّ أهم ما تطرق إليه هو أنَّ بلاده كانت من أفقر بلدان العالم قبل خمسين سنة فقط فيما هي اليوم خامس أكبر اقتصاد عالمي، اللافت أنَّه أوضح أنَّها كانت وما زالت فقيرة من ناحية الموارد الطبيعية وأنَّ عنصر البناء والتنمية الأهم كان هو «الإنسان»، هذا الإدراك المسبق بقيمة هذا «الإنسان» هو ما دفعهم لصناعته وتشكيله بالطريقة التي تجعله عنصراً منتجاً في أعلى المراتب، صناعة هذا الإنسان كانت عن طريق صناعة تعليم قادر على تخريج الكفاءات ومواكبة أعلى المعايير العالمية، حينذاك تمَّ لهم ما أرادوا واستطاعوا الوصول إلى ما وصلوا إليه.

كثيرةٌ هي تلك المقالات التي كُتبت حول ضرورة تطوير التعليم لدينا في المملكة، ولعلَّ كلمات الدكتور غازي القصيبي رحمه الله لم تزل رنَّانة في الأّذن حينما أبدى استياءه من التعليم عموماً موضحاً أنَّ أدنى ما ينبغي للطالب حين تخرجه من المدرسة هو الخروج بلغتين على الأقل عدا الأمور العلمية الأخرى، حديثي هنا ليس عن ذلك بل حول مشروع استثماري جديد بدأ يتنامى بشكل تدريجي ويلاقي إقبالاً متصاعداً في المجتمع وهو «المدارس الدولية»، هذه المدارس هي مدارس جلبت مناهج عالمية ومتميزة نسبياً عن المدارس الحكومية فكان أن توجه إليها من ينظر إلى التعليم على أنَّه السلاح الذي يستطيع من خلاله مجابهة المستقبل وتعقيداته المتزايدة.

المدارس الدولية أطلَّ علينا أصحابها يتحدثون عن الجودة والمستقبل الزاهر الذي سيطال أبناءنا منها وبالنتيجة يستحق الأمر أن تدفع الأسرة للابن الواحد خمسة وثلاثين أو أربعين ألفاً كل عام، وعلى الرغم من أنَّ كلامهم حول جودة تعليمهم لا يخلو من صحة إلا أنَّ المشكلة هي الاحتكار أو «قلِّة المعروض» الذي أجاز لهم أن يستنزفوا دخل المواطن بأسعار باهظة جداً، في اعتقادي أنَّ هؤلاء يستفيدون جداً من عدم تطوير التعليم ليشاركوا العقاريين استنزاف دخل المواطنين انطلاقاً من جودة لم تكن لتصبح أداةً للتسويق إلا حينما كان التعليم الحكومي في كافة مراحله نهايةً بالجامعات غير قادر على تلبية رغبات سوق العمل.

قد يستغرب القارئ الكريم حين يدرك أنَّ الجامعة الثانية على مستوى العالم وهي جامعة إكسفورد مكرر مع جامعة هارفرد تتراوح تكلفة إجمالي الدراسة «مواد فقط» بين 17 - 10 ألف يورو، جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية التي تحل في المركز الرابع عالمياً تصل تكاليف الدراسة السنوية فيها إلى 56 ألف دولار، أما معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والحاصل على المركز الخامس فتبلغ تكلفة الدراسة السنوية فيه 55 ألف دولار، وفي المقابل فإنَّ مدارسنا العالمية في المملكة تضطرد أسعارها بشكل متسارع جدا إلى حيث لا استبعد تماما أن تضاهي بعد سنوات قليلة أعرق وأعظم جامعات العالم، التي كانت ولم تزل تخرج أعظم العلماء والرؤساء.

إنَّ أي محتكر على وجه العموم يمثل ظاهرة اقتصادية سلبية لكل مجتمع، فهو شخص قادر دائماً بقصد أو بدون قصد على ابتزاز المواطن دون أن يستطيع هذا الأخير فعل شيء، والغريب جداً أنَّ هذه المدارس ذات رواتب رديئة لموظفيها في ظاهرة مخزية وتدل مع الأسف على تلك العقلية الرأسمالية البحتة، منطقياً لا أملك الحق في القول إنَّ هؤلاء يجنون أرباحاً هائلة حتى على الرغم من هذه الأسعار، ذلك أنَّني لا أعلم عن حجم التكاليف التي يتكبدونها، غير أنَّ المتصور أنَّ التكاليف التشغيلية لمدرسة هي في جزءٍ كبيرٍ منها تكاليف أجور الموظفين، انطلاقاً من ذلك أجد أنَّ الرواتب المتواضعة التي يمنحونها كوادرهم الوظيفية «السعودية بالذات» تثير الريبة وتجعل التوقع بأنَّ هؤلاء يربحون كثيراً وليس ذلك بالمستغرب تماماً حينما يكون الاحتكار سيد الموقف.

إنَّ الأمل ليحدو المواطنين كثيراً أن يستطيع التعليم الحكومي لدينا مواكباً التعليم العالمي لنتخلص بالنتيجة من هؤلاء التجار الذين استغلوا أحسن الاستغلال رغبة المواطنين في تعليم أفضل لأبنائهم فكان أن وضعوا أسعاراً لمدارسهم المحتكرة «والجيدة نسبياً» تشكل في مجموعها تكاليف تزيد على أفضل وأعرق جامعات العالم.