آخر تحديث: 28 / 7 / 2026م - 6:09 م

الكسوف الحلقي ليس نذير شؤم

أنيس آل دهيم *

ما إن أعلن قبل سنوات عن اقتراب الكسوف الحلقي الذي سيعبر سماء الأحساء، وتحديدا بالقرب من جبل الأربع، حتى بدأ المهتمون بالفلك والتصوير الفلكي تجهيز معداتهم استعدادا لتوثيق واحدة من أندر الظواهر التي يمكن أن يشاهدها الإنسان في حياته. كان الهدف بالنسبة لنا واضحا، أن نعيش لحظة تتجلى فيها عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وأن نوثق حدثا لن يتكرر إلا بعد عقود طويلة.

لكن في الجهة المقابلة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كان هناك مشهد مختلف تماما. فقد خرج بعض صناع المحتوى ومروجي الشائعات، بقصد أو دون قصد، يبثون الخوف في قلوب الناس، حتى صوروا الكسوف وكأنه كارثة ستصيب الأرض، أو وباء ينبغي الهروب منه. انتشرت رسائل تحذر الناس من مجرد الخروج من منازلهم، وأخرى تزعم أن النظر إلى السماء أثناء الكسوف سيؤدي حتما إلى العمى أو الإصابة بأمراض خطيرة، وكأن الظاهرة نفسها هي الخطر، بينما الحقيقة أن الخطر الوحيد يكمن في النظر المباشر إلى الشمس دون وسائل حماية مناسبة، سواء أثناء الكسوف أو في أي يوم آخر.

وللأسف، انساق كثيرون خلف تلك الرسائل، حتى إن بعض الجهات اتخذت إجراءات احترازية مبالغا فيها نتيجة انتشار تلك المعلومات، فأصبح الخوف من الشائعة أكبر من فهم الحقيقة العلمية.

كنت آنذاك أحد المهتمين بتوثيق هذا الحدث، وتشرفت بأن أكون ضمن فريق الرصد المشارك مع جمعية الفلك، حيث جرى التحضير لهذا الحدث بتنظيم كبير شاركت فيه جهات حكومية وجامعات ومتخصصون في علوم الفلك، إضافة إلى حضور إعلامي واسع.

لن أنسى تلك اللحظات. كانت الشمس تشرق من خلف الأفق وهي في حالة كسوف. كان المشهد مهيبا بكل معنى الكلمة. لم يكن منظرا يدعو للخوف، بل كان يدعو للتأمل والخشوع. لحظات قليلة شعرت خلالها بعظمة هذا الكون ودقة نظامه، وأدركت أن الإنسان مهما بلغ من العلم، فإنه ما زال يتعلم من آيات الله في السماء.

شهد ذلك اليوم حضورمئات المهتمين قرب جبل الأربع في الأحساء، حيث وزعت نظارات الكسوف المعتمدة، ونُصبت التلسكوبات، وأُجريت القياسات العلمية، وأدى الحاضرون صلاة الكسوف، في مشهد جمع بين العلم والإيمان، وبين البحث العلمي والتأمل في قدرة الله سبحانه وتعالى.

وقد كان ذلك الكسوف حدثا استثنائيا، إذ كان أول كسوف حلقي يعبر أراضي المملكة منذ نحو 97 عاما، واستمرت مرحلة الكسوف الحلقي قرابة ثلاث دقائق، بينما امتد الكسوف الجزئي منذ شروق الشمس وحتى قرابة الساعة الثامنة صباحا، وبلغت نسبة احتجاب قرص الشمس أكثر من 91%.

واليوم، وبعد مرور سنوات، يعود الحديث مجددا عن كسوف حلقي جديد سيكون مرئيا من أجزاء من المملكة، وستكون مدينة جدة من أبرز المواقع التي سيحظى سكانها بفرصة متابعة هذه الظاهرة، مع اختلاف تفاصيل المسار ونسبة الاحتجاب بحسب الموقع الجغرافي.

ومن المتوقع أن يشهد هذا الحدث اهتماما واسعا من المصورين الفلكيين والمهتمين بالعلوم، كما ستنظم العديد من الجهات العلمية فعاليات للرصد والتوعية، مع التأكيد على استخدام نظارات الكسوف المعتمدة أو وسائل الرصد الآمنة، وعدم النظر مباشرة إلى الشمس دون حماية مناسبة.

ولعل أهم درس تعلمناه من كسوف الأحساء هو ألا نجعل وسائل التواصل الاجتماعي مصدرنا الوحيد للمعلومة. فبين كل ظاهرة فلكية تظهر عشرات المقاطع المثيرة التي تبحث عن المشاهدات أكثر من الحقيقة، بينما يبقى صوت العلماء والمتخصصين هو المرجع الذي ينبغي أن نستمع إليه.

فالكسوف ليس نذير شؤم، وليس ظاهرة خارقة للطبيعة، بل هو مشهد كوني بديع يحدث وفق نظام دقيق أودعه الله في هذا الكون. نعم، يجب التعامل معه بوعي واحترام واتباع إرشادات السلامة، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للذعر أو الخرافات.

وعندما تشرق الشمس القادمة وهي ترتدي حلقتها المضيئة فوق جدة، أتمنى أن يكون المشهد فرصة جديدة لنرفع كاميراتنا لا لنصنع الإثارة، بل لنوثق جمال الكون، ولنرفع رؤوسنا بالعلم، وقلوبنا بالإيمان، ونعلم أبناءنا أن المعرفة هي أفضل وسيلة لمواجهة الشائعات، وأن كل ظاهرة في السماء تزيد المؤمن يقينا بعظمة الخالق سبحانه وتعالى.

أنيس آل دهيم








تصوير: أنيس آل دهيم