آخر تحديث: 28 / 7 / 2026م - 6:09 م

لوحة ”الحقيقة العارية“ ولعبة القوة

المهندس أمير الصالح *

نبذة

في سن الثلاثين من عمري، كنت مولعًا بزيارة المتاحف حيثما أحل وأرحل. وقد كانت المتاحف بالنسبة لي كنوزًا معرفية، وقصصًا رمزية رائعة، وحافظةً لذكريات الأمم، وأرشيفًا لبطولات ملهمة، وتخليدًا لأبطال عبر التاريخ، ومنجمًا خالدًا. وكنت أدوّن ملاحظاتي بين هنا وهناك، وقد أختلي بفكري؛ لأستنطق بعض ما شاهدته.

مقدمة حوار

في إحدى زياراتي لدولة فرنسا، وزيارة متحف اللوفر في باريس، دار حوار عن قصة لوحة «الحقيقة العارية» مع دليل سياحي فرنسي يتحدث اللغة الإنجليزية، واللوحة المذكورة محفوظة بمتحف آخر يقع بوسط فرنسا. فقال الدليل الفرنسي عن اللوحة المسماة «الحقيقة العارية» أو «الحقيقة تخرج من البئر»، للفنان الفرنسي جان جيروم، والتي رسمها سنة 1896 م، إن اللوحة، وحسب سرد الدليل السياحي الفرنسي، تحكي أسطورة عن حوار بين الحقيقة والكذب دار في القرن التاسع عشر.

حيث تقول الأسطورة: إن الكذب والحقيقة تقابلا يومًا ما في الماضي، فقال الكذب للحقيقة: «إن طقس اليوم جميل». فنظرت الحقيقة حولها في شك، ورفعت عينيها إلى السماء، فوجدت أن الشمس مشرقة وأن الجو صافٍ، ونسيم الجو جميل، فقررت أن تقبل دعوة الكذب لقضاء وقت قصير في نزهة.

ثم عاد الكذب وقال للحقيقة: «إن مياه هذه البئر صافية ودافئة، فهيا بنا نسبح معًا ونستمتع ببعض الوقت». نظرت الحقيقة إلى الكذب في شك للمرة الثانية، ثم استشعرت دفء المياه ونظرت إليها، فوجدت المياه صافية ودافئة بالفعل، فنزع الاثنان، أي الكذب والحقيقة، ملابسهما ونزلا للاستحمام.

وفي غفلة، ودون أن تشعر الحقيقة، خرج الكذب من البئر متسللًا، وارتدى ثوب الحقيقة وهرب بعيدًا.

فخرجت الحقيقة من البئر عاريةً وغاضبةً، وحاولت أن ترتدي ملابسها، إلا أنها وجدتها مسروقة، وهمّت بمطاردة الكذب؛ لتقرعه وتفضح نيته السيئة. فلما رأى الناس الحقيقة عارية بعد خروجها من البئر، تضايقوا منها، وأشاحوا بوجوههم عنها.

وهنا رجعت الحقيقة المسكينة إلى البئر، وتوارت هناك للأبد، ولم تخرج خشية من نظرات الناس لها بازدراء. ولم تظهر الحقيقة للبشر مرة أخرى من شدة خجلها منذ أن اختفت في عمق تلك البئر.

ومنذ ذلك الحين، وحسب سردية الدليل السياحي لقصة اللوحة، والكذب يلف العالم مرتديًا ثوب الحقيقة، وأغلب الناس يتقبلونه على أنه الحقيقة. وفي الوقت نفسه أضحى كثير من الناس يرفضون رؤية الحقيقة كما هي، «الحقيقة العارية»، عن أنفسهم؛ لأنهم استأنسوا بالكلام المنمق الذي يرويه الكذابون الملتحفون بإزار الحقيقة. وفي الوقت نفسه، أضحى أغلب الناس يستمتعون برؤية الحقيقة عارية عن غيرهم؛ ليتلذذوا بالتهكم والانتقاد والتعليق عليهم.

تلك القصة نقلتها، وهي في عهدة الراوي. وتحققت لاحقًا من صحة السردية لتلكم الأسطورة التاريخية. ولعل الله يهيئ لي ولكم زيارة ذاك المتحف ومشاهدة تلكم اللوحة.

لعبة القوة

يعتقد معظم الناس أن لعبة القوة في هذا العالم المادي تدور حول قوة رجل واحد، أو قوة بلد واحد، أو قوة نظام واحد، أو قوة قانون واحد، أو شيوع رواية إعلام عالمي واحد. بينما المفكر الاستراتيجي الناضج يعرف أن لعبة القوة في عالم المادة، في حياة البشر، هي نظام تعامل براجماتي محض.

ولعل من اطلع على كتاب «48 قانونًا في القوة» وكتاب «الأمير» لميكافيلي سيفهم بعض جوانب تفكير القوة البراجماتية المادية لدى بعض مَن سيطروا، أو يسيطرون، على العالم. وهذه الحقيقة غير المريحة لأغلب الناس، ولا سيما أتباع الفضيلة والعفة والإيمان بالآخرة وأهل التقوى، يجب عقلنتها لتخطي عقدة الإعلام المضلل.

لقد تم تعليم أغلب سكان المعمورة أن القواعد والقوانين تُطبق بالتساوي وبعدالة تامة، إلا أن الواقع المَعيش كشف ويكشف أن المتنفذين يفرون بجلدهم من أي حوكمة شفافة وكاملة، وأن المتنفذين يستفيدون من نفوذهم حتى بأكل أموال الناس ظلمًا وزورًا.

دقق، وسترى أن القوانين المعمول بها في كثير من بقاع الأرض:

1. القوة تحمي القوي، حتى لو كان نص القانون في صف الضعيف.

2. المال يحمي المال وأصحابه، حتى لو سرقوا أموال الآخرين.

3. صانع التأثير يحمي الشخص المؤثر، حتى لو جنى في حق غيره وهتك المحرمات.

هذه العدالة العوراء تعمل بالطريقة نفسها في معظم بقاع الأرض، دون تحديد بمكان أو مجتمع بعينه.

ولذا تسمع وتقرأ، عندما تظهر أسماء قوية مرتبطة بفضائح عالمية في دول ديمقراطية أو شبه ديمقراطية، تحدث أشياء غريبة ومريبة بشكل لافت، مثل: إطلاق أحداث تحول الانتباه، وتغيير العناوين الرئيسية في وكالات الأنباء والإعلام العالمية. فجأة تهيمن أزمات جديدة على نشرات الأخبار، وينشغل الناس، ومعظمهم يتابعون كل ما تظهره لهم وسائل الإعلام، ولا يستقصون ما لا تظهره وسائل الإعلام، حتى لو كان يلامس مصيرهم، وهو الأهم في حياتهم.

والمفكر الاستراتيجي يطرح أسئلة مختلفة عن الآخرين، ومنها: من يستفيد من إلهاء الناس عن أمورهم الرئيسية؟

القوة والحقيقة

بمجرد أن يفهم الإنسان العاقل، ويفكك شفرة كيف يعمل التأثير على مختلف المستويات، يبدأ في رؤية النمط نفسه في كل مكان، سواء في وسائل الإعلام، أو الترويج الرياضي، أو الحوكمة، أو شؤون الصحة، أو مراقبة أداء الإدارة العامة، أو مراقبة عالم المال والأعمال، أو غيرها من الأمور. انظر خلف الستارة؛ فقواعد العدالة التطبيقية ليست هي نفسها بالنسبة للجميع. نعم، العدالة النظرية والمكتوبة على الورق تقول شيئًا، والعالم الواقعي يقول شيئًا آخر.

على سبيل المثال، يعمل معظم الموظفين داخل أنظمة الشركات، ولا يتساءلون أبدًا عن منشأ الأنظمة أو جدواها بالنسبة لهم، بينما الأشخاص الاستراتيجيون يدرسون الحوافز وراء الأنظمة المعمول بها، ويسعون لصنع الأفضل والتعديل على بعضها.

لقد تعلم أغلب الناس أن يعملوا بجد لبلوغ المنصب الوظيفي الذي يحلمون به، لكن الأشخاص الذين يفهمون اللعبة، أو تربعوا على القمة، يركزون على الهيكل الإداري، وخيوط العلاقات، وطريقة إدارة النفوذ وفق الولاءات لا الكفاءات.

ومثلًا، أغلب الناس يركزون على الدخل السنوي، بينما الاستراتيجيون يركزون على الملكية وصنع النفوذ لأطول مدة، وخلق نموذج إداري يخدمهم حتى بعد تنصلهم من مناصبهم.

وأغلب الناس يركزون على الجهد لاستحصال المال، بينما الاستراتيجيون يركزون على الرافعة المالية «Leverage» لينموا أكثر فأكثر.

وأغلب الناس يركزون على توفير المال وادخاره، بينما الاستراتيجيون يركزون على توظيف الأموال وخلق دخول متعددة دون جهد «Passive Income - Multiple Sources».

بالمحصلة، في عالم اليوم، الفرق الأكبر بين الشخص العادي، أو الشخص المجتهد والمتفوق، والشخص الثري، ليس الذكاء، وإنما هو إدراك كيفية عمل قوانين اللعبة بالفعل، واستخدامها مع الحفاظ على القيم والمبادئ؛ ليبارك الله في لقمة الحلال.

بمجرد أن تفهم القواعد الحقيقية للعبة الواقعية، يتغير نظرك إلى العالم، وإلى كل شيء، وتكون إنسانًا واقعيًا يتحرك في نطاق ما يسيطر عليه، ومحصنًا من الاستغلال العاطفي؛ لأن الصراع مع بعض الأقوياء المتنفذين إهدار للطاقة، ولا سيما إذا كانوا ممن لا يتورعون عن التعدي على حقوقك وإلحاق الضرر بك.

فكن عالمًا بزمانك، وابدأ في تحديد موقعك، ولا تستثمر مع من يطمع في مدخراتك، وتوقف عن الاعتماد على شعارات اجتماعية غير معمول بها في العدالة المالية. ولي دروس كالعلقم في ذلك، إلا أنني أتجنب أن أناقشها.

وابدأ في إنشاء خيارات متعددة؛ فالحرية والكرامة المالية ليست حظًا، وإنما خيار. وتجنب الأسماء البراقة والأماكن المخادعة؛ فكم بيت من بيوت التجارة أساسه سرقة واحتيال، وكم مكان استثمار عالمي مبني على صخور احتيال، وسينهار كالجرف الهار.

عزيزي، كن فطنًا وذا عقل استراتيجي، وحصن نفسك من أي انزلاق عاطفي، أو استدراج استثماري، أو تغنج لا أخلاقي. وبالمحصلة، في زمن أصبح الكذاب ملتحفًا برداء الحقيقة، كما رويناها في القصة أعلاه للوحة الحقيقة العارية، فعليك:

1. الابتعاد عن الكذابين الملتحفين بثياب الزهد أو التقوى، أو الإحصائيات المخادعة، أو الاستثمار غير المنطقي.

2. الابتعاد عمن لا يتورع عن المتاجرة بشرف وسمعة وتاريخ أسرته ودينه ووطنه، من أجل حفنة مال، أو إشباع شهوة، أو ظهور إعلامي.

3. انظر إلى خيارات عالمية ومحلية في تحصيل الرزق الحلال، ولا تكن في أي مجموعة ليس لك قرار تخارج منها في أي وقت، مع حفظ رأس المال.

أغلب الناس لا يفهمون هذه القواعد من اللعبة إلا متأخرًا، أو لا يرونها أبدًا؛ لأنهم لا ينظرون خلف الستار أبدًا.

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [هود: 113]

ختامًا

تذكر، لا يمكنك الفوز بأي منافسة، أو لعبة، أو مباراة، إذا كنت لا تعرف القواعد الحقيقية للعبة؛ لأن القواعد الحقيقية لن تكون مكتوبة حبرًا على ورق، كما يعتقد السذج البسطاء. تعلم مبكرًا، وإلا ستهلك متأخرًا.