آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

مجنون أمريكي وعبقري سعودي

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في مقالي الفائت «محتكر يتحدث عن الجودة» تحدثت عن المدارس الأهلية والدولية التي استقدمت نظماً تعليمية متميزة على التعليم الحكومي فاستقطبت بمنتجها الجديد تلك الأسر التي تنظر إلى التعليم بمزيد اهتمام ولا أقصد بالتأكيد أن خلاف ذلك يدل على العكس، هذا الإقبال جعل أصحاب هذه المدارس يضعون أسعاراً كبيرة تتراوح بين 20 و60 ألف ريال على الرغم من أن «المدارس الأهلية» مدعومة حكومياً بناءً على ما أوضحه إبراهيم المعيقل مدير صندوق الموارد البشرية في خبرٍ منشور في العدد رقم 6896 من جريدة الاقتصادية أن لكل مدرسة إعانة بمقدار 2500 ريال «665» دولاراً شهرياً ولمدة خمس سنوات، هذا الدعم الكبير لم يكن سبباً مع الأسف الشديد إلا في الاستمرار في زيادة أسعارهم، هذه الأسعار الباهظة كانت نتيجة لتعليم يتضمن كثيراً من الإيجابيات التي من ضمنها اللغة الإنجليزية ولا أدعي أن تعليمهم مقتصر فقط على تنمية هذا الجانب، هذه اللغة كانت وما زالت تمثل في المملكة أحد أهم العناصر المطلوبة في سوق العمل في القطاع الخاص.

تعرف اللغة بأنها «ظاهرة سيكولوجيّة اجتماعيّة ثقافية، لا صفة بيولوجية ملازمة للفرد. تتألف من مجموعة رموز صوتيّة لغوية، اكتسَبَت، عن طريق الاختبار، معاني مقرّرَة في الذهن. وبهذا النظام الرمزي الصوتيّ، تستطيع جماعة ما أن تتفاهم وتتفاعَل» وهناك اختلاف كبير في نشأة اللغة الأم في هذا الوجود فمنهم من قال إنها وحي من الله سبحانه وتعالى ومنهم من عزاها للتدرج الرمزي الذي حول الإنسان تدريجياً إلى «حيوان ناطق» حسب تعريفه في علم المنطق، وكيفما كان فاللغة هي طريقة للتخاطب بين الكائنات الحية المتحركة عموماً وبين بني البشر بشكلٍ خاص، هذه الطريقة ليست بحد ذاتها علماً وإنَّما هي أداة لإيصال علم معين إلى الآخر.

في سوق العمل في المملكة لدينا هناك حتى الساعة من لا يستطيع أن يفهم معنى «اللغة» ليظن أنَّها بحد ذاتها علم، انطلاقاً من ذلك تجد كثيرين ممن يُجرون المقابلات الشخصية مع المتقدمين على الوظائف لا يريدون منهم أي شيء سوى اللغة الإنجليزية الجيدة، ولو تم تخييرهم بين عبقري سعودي لا يُجيد اللغة ومجنون أمريكي لاختاروا الأخير لأنهم ببساطة لا يريدون أن يستوعبوا أن اللغة ليست علماً بحد ذاتها، ربما صحَّ لي أن أمثل اللغة في وقتنا الراهن بتذكرة الدخول لبركة سباحة، هذه التذكرة تمنح صاحبها الحق في السباحة غير أنَّها لا تدل بأي حال من الأحوال على إجادته لها وبالنتيجة فإنَّ مصير صاحب التذكرة هو الغرق إن لم يكن يجيد السباحة، هذا هو الحال تماماً لدى إدارة لم تزل عقلية مديرها لا تستطيع أن تدرك هذه الحقيقة والنتيجة البديهية هي قسم ضائع ليس لموظفيه إلا التسكع على مكاتب الآخرين والتدخين وخلافه دون إنتاجية تُذكر، وحدها الصدف هي ما تجعلك ضمن منظمة بهذا المستوى ليس لدى موظفيها أي قدر من المهارة والعلم ولم يكن لانضمامهم من سبب إلا وجود هذه اللغة.

الناس وبعد أن أدركوا أن التكامل والتفاضل ومهارات التحليل الاقتصادي والإحصائي وخلافها كثير من المعلومات غير كافية لأن تجعل الشاب يحصل على وظيفة لائقة اتجهوا إلى التعليم القادر على توفير الجانب المرغوب في الشركات حتى مع إدراكهم أنَّه لا يمثل بحد ذاته علماً، ما قاموا به يشبه المثل المصري القائل «اللي تكسب به، العب به»، كما أن المدارس الأهلية عموماً تُدرك هذه الحقيقة فرفعتها كقيمة مهمة للتسويق ولإدراكهم المسبق بأنها تمثل أمراً مهماً لكل متقدم.

الألمان يتحدثون لغتهم فقط ولا يقبلون غيرها وهم أصحاب الطاقة النووية والتقدم الصناعي والتكنولوجي والبي إم دبليو والمرسيدس وغيرها، الروس والفرنسيون واليابانيون والصينيون وغيرهم كذلك، أما نحن فما زال مديرو كثير من الشركات أدنى من أن يستوعبوا هذا الجانب إلى أن امتلأت إداراتهم بما يشبههم في المستوى، والمشكلة أحياناً تكون في أن مدير التوظيف أو الإدارة هو من الأساس أجنبي فهل ستكون النتيجة المنطقية خلاف ذلك؟!! حينما يكون السيد بابو هو مدير التوظيف وهو من الأساس لا يجيد الحديث إلا الإنجليزية فهل سيستطيع أن يفهم أن لدى هذا المتقدم علما كبيراً دون لغة؟! حينما يكون مدير الإدارة فلبينيا فهل سيختلف عن سابقه.

نعم لقد أصبح في نظر كثير من الإداريين ولو من غير قصد المجنون الذي يجيد اللغة أفضل من أي عبقري لا يجيدها، وربما قال قائل: نعم نحن نريد لغة وما سواها يتعلمه من العمل، وهذه الجملة تضحك الثكلى إذ لماذا لا تكون اللغة هي ما يتعلمها والمهارات العظيمة الأخرى هي شرط الدخول؟! ثم إذا كان أغلب من في المنظمة لا يملكون إلا القليل النادر من المهارات فمِمنْ سوف يتعلم؟!، أتمنى جداً أن تصحح هذه النظرة السلبية وأن تكون هناك نظرة لما يمتلكه هذا الشاب من مهارات أخرى قد تكون كافية للارتقاء بالمنظمة لأعلى المستويات.