آخر تحديث: 8 / 9 / 2026م - 2:36 م

البعد الإنساني المفقود

عبد الرزاق الكوي


لا يزال العالم، الذي يصر على التراجع الإنساني، يشهد تحولات سريعة غير مسبوقة؛ يتقدم خطوةً خجولةً للأمام، ويتراجع خطواتٍ شديدةَ الإيقاع، قويةَ التأثير، خطيرةَ النتائج إلى الخلف، تنبئ عن مستقبل مظلم ومتوحش يتعرض له العالم، بحيث أصبح من الصعب متابعة التحولات والتطورات والأحداث التي كانت في السابق تُعدّ من المحظورات، وأصبحت اليوم واقعًا معاشًا.

ما كان تأثيره محدودًا وضيقًا في السابق، أصبح اليوم تأثيره يعم العالم أجمع، ويفرز تحولات مستقبلية لا تُحصى مخاطرها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وكل ما يمس حياة البشرية، خصوصًا المبتلية بالأزمات المباشرة واليومية والأزمات المفتعلة.

وبالطبع، لارتباط العالم ببعضه بعضًا، تؤثر كل أزمة، بالتالي، على مجمل الأوضاع العالمية، بحيث تتشابك الأمور وتهدد الأزمات مستقبل البشرية.

أيدٍ ممدودة لكل شيء إلا للخير والسلام والأمن والاستقرار، وفكر لا إنساني بعضه خفي والآخر واضح يشكل العالم الجديد، ليس بالتفاهمات والمصالح المشتركة والعلاقات المتكافئة والحوار البناء، بل بلغة القوة، باستخدام جميع الوسائل المتقدمة عسكريًا وتكنولوجيًا للتفاهم بهذه الوسيلة.

حروب بالإنابة، وحروب بأسماء مختلفة، والنتيجة واحدة؛ شيء يتعدى الخيال العلمي والذكاء الاصطناعي وأحلام اليقظة، يعصف بالعالم من شماله حتى جنوبه، ومن شرقه وصولًا إلى غربه.

واقع لا يخضع إلى أعراف أو قوانين أو ضمير، أجندات كُتبت لتُنفَّذ بكل الوسائل الممكنة، لترسم عالمًا كُتبت أجنداته من أجل الدمار والخراب، ليس في فكرها معنى للسلام والعيش الكريم والاستقرار العالمي.

زيارات مكوكية واجتماعات على مدار الساعة تجوب العالم، جلّها لا تخدم المصالح العالمية المشتركة، بل تخدم شركات عالمية ومراكز قوى تحرك العالم حسب متطلبات سياساتها، والربح أولًا وأخيرًا، حتى لو أدى ذلك ليس فقط إلى تدمير بنى تحتية، بل الأرض وما عليها، من إنسان ومجمل بيئته.

وهذا ما يُشاهَد في أعداد القتلى على النطاق العالمي، وأكثر من ذلك عشرات الملايين ومثلهم من النازحين، وطوابير الجوعى تنتظر لقمة العيش في عالم يُرمى فيه فائض الأكل بالأطنان، وغيرهم ممن يصعب عليهم تلقي العلاج الأولي.

ويأتي بعد ذلك أن هناك تدخلًا إنسانيًا؛ إذا كانت كل هذه الأوضاع المأساوية في العالم، ويُسمّى ذلك وجودًا لتدخل إنساني، فنحن أمام عالم من الازدواجية والتعريفات المضللة، واستمرار لخلق عدو وهمي من أجل التدخل في الشؤون العالمية، وكسر كل الحواجز والدفاعات الرافضة لهذا الواقع المأساوي.

والمستجدات والمستحدثات غير التقليدية متسارعة، بحيث إن العالم لا يعلم متى يظهر الخطر، ومن أين يأتي مكمنه؛ هل هو خطر وجودي يمس بقاءه، أو اقتصادي أو اجتماعي، أو تأثير بيئي ينتج عنه مزيد من الأمراض الفتاكة، ويؤثر على الأمن الغذائي، مما يزيد من معدلات الجوع والفقر والبطالة في العالم.