آخر تحديث: 15 / 9 / 2026م - 8:48 م

الفكرة بين الالتقاط والافتراق

ياسر بوصالح


أسعدتني هذا الأسبوع رسالةٌ كريمة من الصديق العزيز الأستاذ علي العويناتي من مملكة البحرين الحبيبة، يخبرني فيها أنه أفاد من فكرة مقالي السابق «ابتكارية الإماطة» في مقطعٍ جميلٍ يحاكي العاطفة، ويستثمر الفكرة في مشهدٌ تمثيليٌّ يلامس الوجدان.

https://www.instagram.com/reel/DdJJYBMBMBm

ولعلّ مصدر سعادتي الحقيقي هو إحساسي بأن جمالية التناغم بين أفراد المجتمع تتجلّى حين يكتب أحدهم فكرة، فيلتقطها آخر، ثم يمنحها حياةً جديدة في عملٍ فني راقٍ ينفذ إلى القلوب، فالفكرة الجميلة لا ينبغي أن تتوقف عند صاحبها؛ وقد يكون أجمل ما فيها أن تجد من يلتقطها، لا ليكررها، بل ليضيف إليها ويجعلها أكثر حضورًا وتأثيرًا.

وبالمناسبة، فإن التمثيل ليس طارئًا على التجربة الإنسانية؛ فما فعله سيّدا شباب أهل الجنة عليهما السلام مع الشيخ الذي لم يكن يُحسن الوضوء شاهدٌ بليغ على ذلك، لم يُريدا جرح مشاعره أو إحراجه، فطلبا منه أن يحكم بين وضوئهما أيهما أصح، فتنبه الرجل إلى خطئه من تلقاء نفسه، واعترف به دون أن يُواجَه بتقريع أو توبيخ. [1] 

كان ذلك درسًا عميقًا في كيف يمكن للفكرة أن تصل إلى الإنسان دون أن تصطدم به، وكيف يمكن للتمثيل أن يُصلح دون أن يفضح، وأن يُعلّم دون أن يُحرج.

ومن هنا يتّضح أن التمثيل أداةٌ أصيلة في إيصال الفكرة، وتليين الموقف، وفتح باب الفهم دون صدام، فالإنسان حين يُجسّد معنىً ما لا يزوّر الحقيقة، بل يقرّبها من عين المتلقي، ويمنحها لحمًا ودمًا وحركة.

لكن الفكرة، كما يمكن أن تُلتقط فتُنمّى، يمكن أيضًا أن تُلتقط فتفترق عن وظيفتها الأولى.

وهنا يبدأ عتبي.

أشتدّ عتبي على بعض مثقفينا الذين يُفترض أن يكونوا رافعةً للوعي، فإذا بهم ينصرفون عن صناعة الإنسان إلى صناعة الانقسام، وعن تهذيب الذوق العام إلى إثارة معارك هامشية لا تزيد المجتمع إلا تشتتًا، فبدل أن تُسخَّر الأقلام لبعث روح المسؤولية، واحتساب الأجر في خدمة الناس، نقرأ طروحاتٍ تجعل من الفوارق المناطقية مادةً للتجاذب، ومن الموروث المحلي ميدانًا للمفاخرة والاصطفاف.

قد يبدو الأمر في ظاهره طريفًا: أهو اللومي أحسائي أم قطيفي؟ وهل سيكون الهامور حساوي ذات يوم؟ لكنني لا أتوقف هنا عند اللومي ولا عند الهامور، ولا أريد أن أحاكم مقالًا بعينه أو أفتش في نيات كاتبه؛ وإنما أتساءل عمّا يمكن أن تفعله مثل هذه اللغة حين تتكرر، وحين تصبح الفوارق الصغيرة مادةً دائمة لتغذية الحساسية بين أبناء المجتمع الواحد.

فالسخرية قد تكون وسيلةً رائعة لكشف العبث، لكنها قد تصبح — من حيث لا يشعر صاحبها — وسيلةً لإعادة إنتاجه، والفرق بين الاثنين ليس في مقدار الضحك الذي يصنعه النص، بل في الأثر الذي يتركه بعد انتهاء الضحك.

وهنا أعود إلى الفكرة التي بدأت بها.. ماذا نفعل بالفكرة حين نلتقطها؟

الأستاذ علي العويناتي التقط فكرة «ابتكارية الإماطة»، فلم يكتفِ بنقلها، بل حوّلها إلى مشهدٍ فني يقرّب معناها من القلب، وهكذا ينبغي للفكرة أن تعمل في المجتمع.. تُلتقط لتُبنى، وتُطوّر لتُصلح، وتنتقل من عقلٍ إلى عقل وهي تحمل معها قيمةً جديدة.

أما حين تتحول الفكرة إلى مادةٍ للاصطفاف، أو إلى وقودٍ لمفاضلات مناطقية لا تنتهي، فإنها تكون قد افترقت عن أجمل ما فيها.

إن رسالتي في هذا العتب ليست دعوةً إلى أن يتوقف المثقف عن السخرية، ولا إلى أن تتحول كتاباته إلى مواعظ ثقيلة؛ فالمجتمع يحتاج إلى الطرفة كما يحتاج إلى المقال الجاد، ويحتاج إلى الضحكة التي تفتح نافذةً في الجدار.

لكن المثقف الذي يملك القدرة على التأثير يملك معها مسؤوليةً أكبر.. أن يسأل نفسه، قبل أن يطلق فكرته، ماذا ستفعل هذه الفكرة في الناس؟

هل ستقرّبهم أم تباعدهم؟

هل ستخفف العصبية أم تمنحها مادةً جديدة؟

هل ستجعلنا نضحك من المشكلة، أم نضحك معها؟

فما يبني المجتمعات ليس نسب «اللومي» ولا «الهامور»، وإنما نسبٌ آخر لا ينبغي أن نضيّعه.. نسب الأخلاق، والمعرفة، والوعي.

وهذا هو الفارق بين فكرةٍ تُلتقط لتكبر، وفكرةٍ تُلتقط ثم تفترق عن غايتها.

[1]  مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 168