متى يصبح الإصرار خسارة؟

دخلت أحد المطاعم، وما أكثر المطاعم عندنا، فصادفت صاحبه، وبيننا معرفة قديمة. بدا عليه الانزعاج والحزن. سألته عن أحواله وعن «البزنس»، فأطلق تنهيدة طويلة وبدأ يبث همومه: تراجع المبيعات، ارتفاع التكاليف، خسائر تتراكم. كان قد خسر مبلغًا لا بأس به، ومع ذلك أصر على الاستمرار، يضع مبلغًا بعد آخر، على أمل أن يعود الزمن جميلًا.
قلت له: ولماذا لا تتوقف؟
نظر إليّ باستغراب، وكأنني اقترحت عليه أن يتخلى عن واحد من أبنائه، ثم قال:
«بعد كل اللي دفعته؟ أوقف الحين؟!»
كانت الجملة وحدها كافية لتلخص المشكلة كلها.
ما دفعه في المطعم لم يعد بالنسبة إليه مجرد مال خسره، بل أصبح سببًا يدفعه إلى إنفاق المزيد.
وهذا بالضبط ما يسميه علماء الاقتصاد السلوكي «مغالطة التكلفة الغارقة» «Sunk Cost Fallacy».
الفكرة في ظاهرها بسيطة.
أي مال أو وقت أو جهد أنفقته في الماضي ولا يمكنك استعادته أصبح «تكلفة غارقة». ولذلك، عندما تقرر اليوم إن كنت ستستمر في مشروع أم تتوقف، فمن المفترض ألا يكون السؤال: كم أنفقت عليه حتى الآن؟
السؤال الأهم: هل يستحق أن أنفق عليه من الآن فصاعدًا؟
في عام 1985 نشر الباحثان هال آركس وكاثرين بلومر دراسة شهيرة بعنوان «سيكولوجية التكلفة الغارقة»، بحثا فيها كيف يمكن لما أنفقناه سابقًا من مال أو وقت أو جهد أن يؤثر في قراراتنا اللاحقة، حتى عندما لا يكون لذلك الإنفاق مكان منطقي في القرار الجديد.
ومن تجاربهما اللافتة تجربة على مشتركي موسم مسرحي. دفع بعض المشتركين السعر الكامل، بينما حصل آخرون على خصومات. وفي الجزء الأول من الموسم، حضر الذين دفعوا السعر الكامل عروضًا أكثر من بعض الذين حصلوا على الاشتراك بسعر مخفض.
وهذه النتيجة تذكرني بملاحظة شخصية في النوادي الرياضية. في مواسم العروض الكبيرة يمتلئ سجل المشتركين الجدد، لكنني ألاحظ أن بعض أصحاب الاشتراكات المخفضة سرعان ما يقل حضورهم، بينما يبدو من دفع السعر الكامل أكثر حرصًا على الاستفادة من اشتراكه.
مجرد ملاحظة شخصية بالطبع، وليست دراسة. لكنها تطرح سؤالًا طريفًا: هل ندفع أنفسنا أحيانًا إلى الالتزام فقط لأننا دفعنا أكثر؟
وبالعودة إلى صاحب المطعم، لنفترض أنه استثمر مليون ريال ثم اكتشف أن المشروع لا يحقق النتائج المتوقعة. المليون الذي دفعه أصبح من الماضي. ضخ مئة ألف ريال أخرى لن يعيده بالضرورة، وقد يحول الخسارة ببساطة من مليون إلى مليون ومئة ألف.
لكن هذا لا يعني أن عليه إغلاق المطعم، ولا أن كل مشروع خاسر يجب التخلي عنه. فقد يكون ضخ المئة ألف الإضافية أفضل قرار يتخذه إذا كانت هناك أسباب واقعية تجعل العائد المتوقع منها مجديًا.
المشكلة ليست أنه خسر ثم قرر الاستمرار.
المشكلة أن تكون خسارته السابقة هي سبب استمراره.
مغالطة التكلفة الغارقة ليست حكرًا على رجال الأعمال. نحن نمارسها في حياتنا أكثر مما نتصور.
قد تدخل فيلمًا في السينما، ثم تكتشف بعد نصف ساعة أنه ممل ولا يعجبك، ومع ذلك تبقى حتى النهاية. لماذا؟
«دفعت قيمة التذكرة».
مع أن خروجك أو بقاءك لن يعيد ثمنها. الفارق أنك إذا بقيت ستخسر، إلى جانب المال، ساعتين من وقتك.
وقد يحدث الأمر بصورة أكثر تعقيدًا في العلاقات الإنسانية. قد يتمسك شخص بعلاقة لم تعد ناجحة لمجرد أنه أمضى فيها سنوات طويلة. تصبح السنوات التي مضت سببًا لإضافة سنوات أخرى، بدلًا من أن يكون السؤال: هل هذه العلاقة تستحق أن تستمر من الآن فصاعدًا؟
لو كانت المسألة حسابات فقط، لكان القرار أسهل بكثير.
لكن صاحب المشروع لا يستثمر ماله وحده؛ فهو يضع فيه شيئًا من نفسه أيضًا.
قد يكون المطعم حلمًا قديمًا، أو المحل أول مشروع يحمل اسمه. ربما تحدث عنه سنوات أمام أسرته وأصدقائه، واقترض من أجله، وسهر الليالي حتى يراه قائمًا.
ثم يأتي اليوم الذي تقول فيه الأرقام إن الأمور لا تسير كما كان يتمنى.
عندها لا يعود الإغلاق قرارًا تجاريًا فقط.
هناك نفورنا من الخسارة، وهو أحد العوامل التي تساعد على تفسير هذا السلوك. فالاعتراف بأن المشروع لم ينجح يعني أيضًا الاعتراف بأن جزءًا من المال والوقت والجهد الذي بُذل فيه لم يحقق ما كنا ننتظره.
وهناك جانب آخر يتعلق بصاحب المشروع نفسه وبصورته أمام الآخرين.
ماذا سيقول الناس؟
كيف سيخبر أسرته أن المشروع الذي كان يتحدث عنه بحماس لم ينجح؟ وماذا سيقول لأصدقائه؟ وماذا عن الموظفين والسنوات التي أمضاها فيه؟
وأحيانًا يدخل الكبرياء على الخط. فالتراجع قد يبدو أمام الآخرين، وربما أمام الإنسان نفسه، اعترافًا بالفشل.
وهنا يختلط الإصرار بالعناد.
الإصرار مهم في التجارة. فمن الصعب أن ينجح مشروع من دون صبر وقدرة على تحمل البدايات الصعبة. لكنه يعني أن تتعلم وتغير وتصحح، لا أن تستمر فقط لأنك أنفقت كثيرًا.
لدى صاحب المشروع المتعثر دائمًا سبب يمنحه فرصة أخرى:
«الشهر القادم أفضل».
«الموسم سيعوضنا».
«الحملة الجديدة سترفع المبيعات».
وقد يكون محقًا؛ فالأسواق تتغير والمشروعات تحتاج إلى وقت. لكن الفرق بين الصبر والتعلق أن الأول يستند إلى مؤشرات، والثاني إلى الأمل.
إذا كانت المبيعات تتحسن، أو التكاليف تنخفض، أو العملاء يعودون، فهناك ما يستحق البناء عليه. أما إذا كانت الخسائر تتكرر ولا يوجد تغير جوهري في نموذج العمل، فعبارة «الأمور ستتحسن» لم تعد خطة.
إنها أمنية.
نحن نحب قصص الذين لم يستسلموا. نروي قصة رجل الأعمال الذي فشل مرة ومرتين وثلاثًا ثم نجح في الرابعة، ونصفق لصاحب المشروع الذي قاوم الظروف حتى وصل.
لكن هناك قصصًا أخرى أقل جاذبية، مع أنها لا تقل أهمية: قصص أشخاص نجحوا لأنهم عرفوا متى يتوقفون.
ليس كل مشروع خاسر مشروعًا ناجحًا ينتظر صاحبه أن يصبر قليلًا. بعض الأفكار لا تعمل، وبعض الأسواق تتغير، وأحيانًا تكون الفكرة جيدة لكن تكلفتها أعلى مما يستطيع السوق تحمله.
والتوقف هنا لا يعني بالضرورة أن صاحب المشروع استسلم.
ولعل أفضل اختبار هو أن يحاول، ولو لدقائق، أن ينسى كل ما دفعه سابقًا وينظر إلى مشروعه كما لو أنه مستثمر يراه للمرة الأولى:
لو لم أكن قد استثمرت ريالًا واحدًا في هذا المشروع، وعُرض عليّ اليوم بهذه الأرقام، هل سأستثمر فيه؟
ثم سؤال آخر:
ما الذي أعرف أنه سيتغير، لا ما أتمنى أن يتغير؟
وقد يفيد هنا رأي شخص لا يملك ارتباطًا ماليًا أو عاطفيًا بالمشروع؛ محاسب أو مستشار أو حتى صديق تثق بحكمه.
وفي النهاية يبقى المبدأ بسيطًا، وإن كان تطبيقه صعبًا:
المال الذي خسرته بالأمس لا ينبغي أن يقرر أين ستضع مالك غدًا.
كان القرد يشاهد نجارًا يشق خشبة، وقد وضع في شقها وتدًا حتى لا ينطبق بعضها على بعض.
ترك النجار عمله وابتعد لبعض شأنه، فجاء القرد يريد تقليده. جلس على الخشبة، وتدلى ذيله داخل الشق، ثم أخذ يعبث بالوتد حتى نزعه.
وما إن خرج الوتد حتى انطبق شق الخشبة على ذيله وأصبح يصيح بأعلى صوته من شدة الألم.
أحيانًا، النجاة لا تحتاج إلى قوة أكبر.
تحتاج فقط إلى أن تعرف متى ترفع يدك.












