آخر تحديث: 30 / 10 / 2026م - 8:53 م

أين نقف اليوم ثقافيًا؟

محمد المحفوظ *


في نهايات هذا القرن المليء بالأحداث الجسام والمنعطفات العلمية والتكنولوجية الهائلة، التي أوصلت الإنسان إلى الفضاء وشكلت علاقة حيوية بين الأرض والفضاء، وفي أحشائه تحولت الكثير من أحلام الإنسان العلمية إلى حقائق علمية ومنجزات تقنية فاقت كل التصورات.

في هذا القرن الذي برزت فيه نظريات ومعارف شتى، بعضها تعرض للاندثار والنسيان، وبعضها الآخر لا يزال يوجه الإنسان ويرسم له منهاج عمل وخريطة حياة. وجماع القول: أنه قرن يغص بالأحداث والرجال الذين عملوا على تغيير الكثير من المسلمات والبديهيات العلمية والاجتماعية والسياسية.

في نهايات هذا القرن من المفيد أن نتساءل: أي ثقافة نريد؟ وتنبع أهمية هذا السؤال في هذا الزمن العربي المليء بالهزائم والانكسارات والهجوم الدولي بكل أسلحته وتقنياته لاحتوائنا والسيطرة على مقدراتنا، وتوجيهنا الوجهة التي تناسب تطلعاته وخططه الدولية.

ابتداءً، ينبغي التمييز بين ما هو واقع وبين ما نريد، بين التطلعات وبين الحقائق، حتى نتمكن من تحقيق ما نريد أولًا بأول. والثقافة التي نريد أن تتبلور في أذهان الناس وتتفاعل معها أرواحهم وعقولهم وتنعكس في أعمالهم وسلوكهم هي ثقافة البناء والتعمير، لا ثقافة الهدم والتدمير، ثقافة تعلي من شأن المبادرات الإيجابية والإنسانية حتى لو كانت نابعة من أعدائه، ثقافة تنشد اتباع الأحسن، بصرف النظر عن قائله أو فاعله ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18].

ثقافة تبحث عن النعم لتحدث بها الناس وترغبهم فيها، لا ثقافة الترهيب والسوداوية.

ثقافة تبحث عن كل سبب ووسيلة إنسانية للبناء والتعمير وتتشبث بها، ثقافة تغرس في صاحبها الوفاء والإخلاص والصدق وإتقان العمل، وبذل الجهد والطاقة في سبيل التطوير والإبداع بصرف النظر عن المردود المادي لهذه المسألة، ثقافة تجعل صاحبها شعلة نشاط وحيوية في سبيل عزة الوطن ورفعة المواطنين.

وثورة الاتصالات الشاملة التي يشهدها العالم اليوم كفيلة بإحداث تغييرات واسعة النطاق في المنظومات الثقافية وشبكة العلاقات الإنسانية بمختلف مستوياتها. وتقترب كل هذه التغيرات والتطورات من تشكيل نمط حضاري - كوني جديد، مما ينعكس على مسارات الإنسان وخياراته كلها الخاصة والعامة.

ولعل من أهم الحقول التي تحتاج إلى عناية وتطوير حقل الإعلام والثقافة، إذ إن تطور تقنيات الإعلام أوجد تحديًا حقيقيًا لحقل الثقافة، وإن قائمة التساؤلات التي تثيرها هذه المسألة واسعة وتتطلب التفكير العميق فيها والبحث عن إجابات عنها.

ولا شك أن تزاحم الفضاء بالعديد من القنوات العلمية والخبرية والتجارية يدفعنا إلى التأكيد على ضرورة التميز في مشروع القنوات الفضائية العربية، لكي تضمن لنفسها موقعًا متقدمًا في مصاف القنوات الفضائية الدولية، وذلك عبر إيجاد دورات برامجية نوعية تلبي حاجة المشاهد وتتعدى نوعيًا برامج القنوات المنافسة.

وحينما نبحث عن الثقافة بمشاريعها وآفاقها ورموزها في برامج القنوات الفضائية العربية لا نقصد بذلك أن تتحول القناة وكأنها أشبه ما تكون بالمجلة الثقافية، وإنما نقصد بالثقافة عناية المؤسسات الإعلامية بالثقافة عبر برامج متعددة وقاعدة برامجية متنوعة بتنوع المشاهد ومتعددة بتعدد الرغبات والحاجات.

وهذا يدفعنا إلى التأكيد على الأمور التالية:

1- ضرورة الموازنة الدقيقة والواعية بين متطلبات السوق والانتشار واستراتيجية المؤسسات الإعلامية العليا.

2- تكييف رغبات المشاهدين مع متطلبات مشروع التنمية الشاملة.

3- مراعاة مسائل الجدوى الاقتصادية.

ولعل من الأهمية بمكان القول إن طبيعة الإدارة هي التي تتحكم في مستوى المردود الاقتصادي للمؤسسة الإعلامية والقناة الفضائية كأداة إعلامية متطورة ذات آفاق عديدة ونوعية في المجال الاقتصادي والاستثماري.

ولا ريب أن تحويل إدارة قطاع الإعلانات في القناة الفضائية إلى القطاع الخاص، لما يشكله هذا القطاع من ثقل اقتصادي ومالي في الحياة المعاصرة، من الخطوات المهمة التي تحافظ على مستوى معين للجدوى الاقتصادية والمالية، ولا بد من بيان أن تجربة تلفزيون الكويت في هذا الصدد كانت ناجحة ومشجعة.

إذ سجل مجموع الصرف على الإعلانات التلفزيونية في تلفزيون الكويت خلال شهر «سبتمبر - أيلول» عام «1995 م» ارتفاعًا نسبته حوالي «30%» مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

وذلك إثر تحويل إدارة قطاع الإعلانات في تلفزيون الكويت إلى إحدى شركات القطاع الخاص وهي شركة «سبوت».

والقطاع الخاص حينما يتحمل مسؤولية الإعلانات، فإنه سيقوم بمجموعة من الإجراءات التنظيمية لتسهيل عملية حجز الإعلان وضمان دقة موعد بثه، والاعتماد في عملية التسويق على الإحصاءات التي تصدرها الشركات العربية أو الأجنبية المتخصصة في هذا المجال كالشركة العربية للدراسات والبحوث الاستشارية.

إننا في العالم العربي والإسلامي نقف اليوم ثقافيًا وحضاريًا أمام تحديات عديدة تتطلب منا جميعًا أفرادًا ومؤسسات، العمل وفق استراتيجية واضحة المعالم للدخول الإيجابي في هذا العصر، وذلك من خلال:

1- العناية الجادة بتطوير أنشطة المؤسسات الثقافية العربية على المستوى النوعي والكمي حتى يتسنى لهذه المؤسسات تحقيق قفزات نوعية في مسيرة العمل الثقافي العربي.

2- تنظيم العلاقة بين الإعلام بأدواته المختلفة، والثقافة بمناشطها المتنوعة حتى يتسنى لوسائل الإعلام العربية القيام بدور فعال في هذا الصدد. ولا شك أن تنظيم العلاقة بين هذين الطرفين بحاجة إلى دراسات شاملة ووعي عميق بمسؤولية كل حقل في عملية التطوير والبناء.

وفي الأخير: فإن الراهن الثقافي يحتاج إلى الكثير من الجهود والاستراتيجيات الجادة والإرادات الواعية لوصله بتطلعات الأمة الحضارية والإنسانية. وإن الإجابة عن سؤال العنوان تتطلب تضافر الجهود النوعية من مختلف المواقع والآفاق المتاحة.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».