«ممكن تسوق زي الناس»
للفساد أسباب كثيرة لعلَّ من أهمها إهمال الرقابة على الأداء، والمساواة بين المهمل والمجتهد، هذا الأمر هو عادةً سبب في انتفاء الدافع الموضوعي لأي مجتهد للاستمرار في أدائه العالي؛ لتنتقل إليه بشكل تدريجي عدوى الإهمال والتسيب، فينضم إلى أولئك الموظفين الذين ينخرون جسد المنظمة ويسيرون بها إلى الهاوية، وقبل الخوض في تفاصيل ذلك ينبغي الإشارة أولاً إلى تعريف الفساد الذي ذُكر في معجم أكسفورد الإنجليزي بأنه «انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة». وفي تعريفٍ آخر وأشمل ورد معناه بأنه لفظ شامل لكافة النواحي السلبية في الحياة، حديثي هنا سيكون حول الفساد بمعناه الشامل المتضمن جميع النواحي السلبية لا بمعناه المقتصر فقط على النزاهة، هو حديث يلخص أهمية وجود جانبين، الأول يتعلق بالقانون المعرِّف لما هو سلبي وجزاءاته، والآخر آلية الرقابة والكشف عنه، وفي اعتقادي أنَّ هذين الجانبين متلازمان ولا يغني أحدهما عن الآخر، فوجود قانون مكتوب دون رقابة وجزاء للمخالف سيجعله كتاب موعظة لا أكثر، وكذلك وجود جزاءات دون تعريف للمخالفة هو عبث قد يتحول إلى مزاجية واستبداد، وحتى لا يكون الكلام نظرياً فسأمثل لقضية الفساد بقوانين المرور ونسب الحوادث واضطرادها.
في إحصائية أجراها مركز التطوير المهني للتطوير والإنتاج التابع لشركة أرامكو أظهرت أنَّ قتلى حوادث السيارات في المملكة خلال العام 2011 بلغ 7153 شخصاً، ذلك يعني أنَّ المعدل اليومي هو 19.6 قتيل، فيما كان عدد قتلى العمليات الإرهابية في بلد من أكثر بلدان العالم فقداناً للأمن وهو العراق قد بلغ 4255 قتيلاً في ذات العام، بنسبة انخفاض 40% عن قتلى حوادثنا، هذه الإحصائية تكشف لنا مع الأسف واقعاً خطيراً ولكنه حقيقة بديهية في علم الإدارة، حقيقة أنَّ وجود قانون مدون ويشتمل على جزاءات دون آلية رقابة وتنفيذ للعقوبات لن يغير من الواقع شيئاً ولن يزيد المنظمة إلاَّ فساداً وتخلفاً، الإحصائية تناولت عدد قتلى حوادث السيارات لدينا منذ 2001 حتى 2011 كالتالي:
2001م: 4100 قتيل، 2002م: 4200 قتيل، 2003م: 4320 قتيلاً، 2004م: 5200 قتيل، 2005م: 5980 قتيلاً، 2009م: 6485 قتيلاً.
وإذا ما استمر التصاعد بنفس المعدلات فمن المتوقع أن يصل هذا العدد في عام 2019 إلى 9604 قتلى، اللافت أنَّ عدد قتلى الحوادث في المملكة خلال عشرين سنة بلغ 86 ألف قتيل، وهذا العدد يزيد في مجمله عن قتلى ست حروب دولية هي حرب الأرجنتين، حرب الصحراء الغربية، حرب الهند وباكستان، حرب الخليج، حرب النيبال الأهلية، وَحرب استقلال كرواتيا؛ حيث بلغ إجمالي قتلى هذه الحروب جميعاً 82 ألفاً حسب ذات المصدر.
لم تنقطع في وقتٍ من الأوقات النصائح الإرشادية لسائقي السيارات، هناك البيت والمدرسة وأسبوع المرور والإعلام، وكل تلك الجهات تقوم بجهود جبارة من أجل إرشاد الناس والنتيجة هي استمرار التصاعد في الضحايا، هذا التصاعد سببه البديهي هو غياب طرق الرقابة والجزاءات الرادعة، اليوم وبعد استحداث نظام ساهر فإنني أتوقع أنَّ نسبة الأضرار ستقل كثيراً في النطاقات المطبق بها، وأعتقد أننا سنلحظ - إن شاء الله - فاعلية كبيرة وانخفاضاً في الخسائر البشرية والمادية في السنوات المقبلة، والحديث عن قضية السيارات ومخالفاتها ينجر على كافة المنظمات التي تعيش دون قانون وجهاز رقابي وجزاءات واضحة للمخالفين، وزارات ومستشفيات ومدارس وكافة القطاعات الحكومية والخاصة ستبقى دائماً مراكز يتبعها الفساد ما دام الجزاء غير موجود للعابثين والمخالفين، إنَّني أعتقد أنَّ أولى خطوات إصلاح أي منظمة هي تمييز الملتزم عن المتسيب والمهمل، وإذا لم تكن هذه النقطة موجودة فإنَّ عدوى الإهمال ستستشري في المنظمة، وستبقى دائماً في تصاعد إلى أن نصل إلى منظمة ينخرها الفساد من كل جانب.
«لطفاً الرجاء الالتزام»، «ممكن تسوق زي الناس»، «الإهمال سلوك غير حسن» كل هذه الكلمات وغيرها كثيراً لن تغيّر من واقع أي سلوك سيئ شيئاً، لن تغير واقع أي وزارة أو مستشفى أو شركة أو سائقي مركبات يعيش أفرادهم الإهمال ومخالفة القانون، الجزاء وحده من سيجعل أمثال هؤلاء يلتزمون، لسنوات طويلة والمواعظ تتلى على الناس بأنَّ السرعة قاتلة وأنَّ الموت قريب فما الذي جرى؟! هل قلَّت نسبة الضحايا؟! على العكس تماماً بقيت الشوارع تحصد أرواح أبنائنا حتى لم تبقَ عائلة في المملكة إلا ما ندر دون صورة أحد ضحاياها في زاوية من زوايا البيت تذكرهم وتجدد عليهم حُزن الفراق وألمه.
على مستوى القطاع الخاص فإنَّ كثيراً من الشركات تطبق نظماً صارمة للمخالفين بينما في القطاع الحكومي يبقى الوضع أدنى من ذلك، في اعتقادي أنَّ إيقاف لغة «لطفاً.. وَممكن.. وَرجاءً» واستبدالها بالجزاء لمن يستحقه وفق النظام ودون تعدٍ أو ظلم هو الطريق الذي سيصلح الحال، أما دون ذلك فلا أرى إلا مزيداً من الاضطراد في مستوى الإهمال والفساد.













