حينما تُصاب المدينة بالديسك
انزلقتُ حينما حملتُ ابنتي على ظهري وسقطت، شعرت بآلامٍ شديدةٍ في الظهر وبضيق في التنفس، مكثتُ مُمدداً قبل أن أحاول مرة أخرى النهوض ولكنني فشلت، فلم أجد بداً من الاتصال بالهلال الأحمر الذي جاءني سريعاً ونقلني إلى المستشفى، كانت المرة الأولى التي أدخل فيها سيارة إسعاف، كانت بالفعل مشاعر مربكة وحزينة، مشى الإسعاف سريعاً وكلما خفَّ ألمي قليلاً واستعدتُ أنفاسي انتفضت السيارة من حفرة في الطريق أو مطب غير صناعي فعاودني الألم، في المستشفى وحينما أجرى لي الطبيب الكشف اللازم وبعد مزيدٍ من الأسئلة تقرر إجراء أشعة MIR «التصوير بالرنين المغناطيسي»، وبالفعل أجريتها، وهي التي تعني أن تبقى فيما يشبه اللحد لمدة نصف ساعة دون حركة وبأصوات صاخبة، أظهرت النتيجة وجود حالتَي ديسك «Disc» في فقرتين من العمود الفقري، نالني كثير من الأسى وتساءلت متعجباً: هل لحادثة بسيطة كهذه أن تسبب في ظهري كل هذه المشكلات والكوارث؟!! فقال الطبيب إن الديسك لا يكون إلا نتيجة لمشكلات تراكمت خلال سنين طويلة وهي ليست وليدة اللحظة، ما حدث باختصار هو أن حملك ابنتك كان القشة التي قصمت ظهرك بعد أن كان بالفعل مهيأً لذلك.
يظن كثيرون حينما تقع الكوارث أن يد الطبيعة هي التي أسهمت بالفعل وفي ذات اللحظة تماماً في إحداث تلك الجملة الهائلة من الخسائر غير المتوقعة، التي لم يكن لأحد أن يُسهم ولو بمقدار في عدم حدوثها أو على الأقل أن يخفف من عواقبها، في اعتقادي أن ذلك في نسبة ليست قليلة منه غير صحيح، الحوادث والكوارث الطبيعية في أحايين كثيرة تكشف حقائق مضى على تراكمها كثير من الزمن، حينما تغرق مدينة من أمطار وتطفو سياراتها وتزهق الأرواح فإن أسئلة كثيرة تبرز في الذهن حول أسباب كل ذلك، السيل كيف يتكون ومن أين يأتي وهل كان طريقه للمدينة معبداً ليمشي بسلام ويهلك الحرث والنسل، وهل سلسلة الجبال المحيطة بالمدينة هي بالفعل محاطة بما يكفل الوقوف في وجه الأعاصير والأمطار الغزيرة التي تكِّون السيول الجارفة، وإذا كان كل ذلك موجوداً فهل الرقابة والصيانة والتحديث يجري دائماً بشكل دوري ومنظم أم إن ذلك كله غير موجود؟ الإجابة على كل ذلك ستكشف للمتتبع القضية بوضوح.
ربما جاز لي أن أقول إن هناك نسبة من الأبنية والشوارع، بل والأحياء السكنية بأكملها تعاني بالفعل من مرض الديسك، وحدها الظروف هي التي ستمنح الجميع فرصة اكتشافه حتى دون أشعة MIR وطبيب وهلال أحمر، مناسبات مفاجئة كهطول أمطار غزيرة أو عواصف أو حتى دون ذلك، قد تسبب حفراً وتصدعاتٍ في الشوارع والمباني وتجمعات مياه حال الأمطار في أماكن أخرى بسبب عدم وجود قنوات التصريف وسيول في المدن الجبلية لتؤدي كل هذه بالنتيجة إلى خسائر مريعة ومخيفة في الأرواح والممتلكات وتستمر مع الأسف هذه السلسلة ولا تقف عند حد.
شريط الذكريات يمر بي سريعاً حتى وأنا أكتب هذه الكلمات على مواضع خلل مخيفة من قِبل مقاولين، أحد الشوارع الرئيسة في مدينتي ظهرت الحفر فيه بعد يومين فقط من إنشائه، هذا يعني أن العمود الفقري بأكمله مقطع الأوصال وليس ما يعانيه مجرد ديسك، ولا شك أن لدى غيري كثيراً من الشواهد لشوارع أو مبانٍ كان أجمل أيامها يوم الافتتاح فقط، فيما اليوم الثاني هو يوم الأحزان.
استطاعت أرامكو بناء جوهرة جدة الرياضية في 390 يوماً، في إنجاز ليس أهم ما فيه السرعة والتحفة العمرانية الرائعة التي ازدانت بها عروس البحر الأحمر، أرامكو حينما تبني شيئاً فإنها تُدرك أن الأهم هو أن يبقى الصرح مذهلاً اليوم ومذهلاً بعد عشرة أو عشرين أو حتى خمسين عاماً، هي هكذا تملك فكراً إدارياً تأسس منذ نشأتها على وضع معايير ومقاييس للجودة ربما صح لي أن أسميها حزمة من القوانين الضابطة دائماً لمستوى وأداء الخدمة وبشكل متجدد ومتطور، مدرسة حارتنا «الشاطئ» هي مثال لمنشأة بنتها أرامكو قبل 44 سنة «1391 ه»، وربما كانت أفضل من جميع المدارس الحديثة التي بُنيت بعدها، وربما التي ستُبنى مستقبلاً، أما مستشفى أرامكو الذي جاوز النصف قرن فهو بلا شك ولا ريب أفضل مستشفى في المنطقة الشرقية من ناحية المبنى والتجديد والتطوير الدائم له، العمر يستهلك كل شيء، والبناء بمقاييس ومعايير هي الأفضل في العالم لن يكون سبباً في استمراره بنفس المستوى دون أن يلقى الصيانة والتحديث والتطوير الدائم، أرامكو حينما بنت جوهرة جدة المشعة فإنها قادرة - بعد إرادة الله - أن تمنحها العناية الدائمة التي تُبقيها ليس فقط بذات المستوى، بل مواكبة دائماً لأفضل وأعلى معايير الجودة العالمية، نحن بالفعل نحتاج لفكر أرامكو في كافة العقود، شركة تُحسن كيفية اختيار الجهة محل الثقة التي تمنحها المناقصة، وتعرف كيف تراقبها في كل صغيرة ومتوسطة وكبيرة، شركة تُدرك معنى «الجودة» وتشترط دائماً معايير عالية لمنشآتها، لذا لا تجد أي منشأة لديها مصابة بالديسك أو آلام المفاصل، لا تجد أي منشأة لديها جميلة فقط حين قص شريط افتتاحها وتسقط بمجرد حادثة بسيطة تجري لها.
يبقى الحديث عما كان ينبغي له أن يحدث ليس مفيداً اليوم، الأجدى هو الحديث عما ينبغي الآن، في اعتقادي أن استحداث إدارة للرقابة على الجودة في كل وزارة ترجع إدارتها لجهتين؛ الأولى الوزير والثانية هيئة مكافحة الفساد «نزاهة»، مهمتها وضع وتطوير وتحديث معايير الجودة والمواصفات والمعايير لكافة أعمال الوزارة وعقودها والقيام بعملية الرقابة، في اعتقادي أن في ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح، بل لا أبالغ إذا قلت إن ذلك لا بد منه، عدم وجود ذلك أظنه سبباً مهماً في تغلغل الفساد في المنظمة ونخر عظامها وإصابتها بالديسك وربما إصابتها بالشلل، حينها لن يكون الهلال الأحمر قادراً إلا على إيصال ضحايا هذه المناقصات الرديئة إلى المستشفيات، وربما إلى مراقدهم الأخيرة.
الأمل يحدونا جداً لإيجاد كل ذلك وتطبيقه، وإن شاء الله سيقود المنظمات المختلفة إلى نتائج وثمار واضحة ومبهرة، والحمد لله ختاماً على ما يسر، وقد مرت كارثة سيول مكة دون ضحايا في الأرواح، وإن شاء الله تُتخذ التدابير التي من شأنها حفظ جميع مدننا من مثل ذلك.













