آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

«خذه لحم ورده عظم»

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

ذُكر للحب معانٍ كثيرة في المعاجم الفلسفية واللغوية لعل ما اتفق عليه هو «الشعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخص ما أو شيء ما أو ميل للقلب أو النفس إلى أمر مُلذ»، أما الكره فهو باختصار استقباح الشيء، تحقق هذين الأمرين يكون لسبب خارجي يصيب الإنسان، بطبيعة الحال هناك جدل حول بعض حالات الحب والكره غير المبررة ولكن في أغلب الأحيان هناك أسباب حقيقية لهذه المشاعر حتى وإن جهلها الإنسان، كما أن هناك جدلاً حول النزعة الاستبدادية والعدوانية وأصالتها في النفس ولكن يبقى القول الأغلب - حسب اطلاعي - إن النزعات وليدة الظروف الخارجية المحيطة بالإنسان منذ بدء حياته.

مشاعر الحب والكره المتشكلة في سن مبكرة من العمر تسهم فيما بعد في إحداث مجموعة كبيرة من الاعتقادات والسلوكيات التي تترسخ تدريجياً إلى أن تصل إلى مرحلة يصعب كثيراً تغييرها حتى وإن حكم العقل بخطئها، انطلاقاً من ذلك تبدو الطفولة مرحلة بالغة الخطورة وينبغي التعامل معها بحذر شديد لأنها النواة التي تشكل شخصية هذا الإنسان فيما بعد، وربما كان أي سلوك سيئ يقوم به الإنسان في كبره يُعبِّر في حقيقته عن نقطة سلبية في طفولته أو شبابه المبكر.

تُنسب أول روضة بمعناها الحديث تم إنشاؤها في العالَم إلى العالِم التربوي الأوروبي فردريك فروبل عام 1840، وتحمل اسم «حديقة الطفل Kindergarten»، ويعود هذا الاسم في فلسفته إلى أنَّ الأطفال مثل نباتات الحديقة التي تحتاج لتنمو وتزدهر إلى عناية فائقة واهتمام كبير، في المملكة تُعرِّف المادة 62 من السياسة التعليمية السعودية التي صدر الأمر بتشكيل اللجنة العليا لها عام 1383 هـ هذه المرحلة ب «دور الحضانة ورياض الأطفال» بأنها: «مرحلة أولية من مراحل التربية والتعليم، تتميّز بالرفق في معاملة الطفولة وتوجيهها وهي تهيئ الطفل لاستقبال أدوار الحياة التالية على أساس صحيح، من خلال التنشئة الصالحة المبكرة»، هذان «الرفق» والمبالغة في «العناية الفائقة» اللذان وردا في التعريفين الغاية منهما زراعة حب العلم في نفس هذا الطفل، الحب هنا هو وقود الإبداع والعطاء وهو القادر على منح الإنسان فيما بعد تحصيلاً علمياً عالياً ومتميزاً، أما التحصيل العلمي الضعيف وكره المدرسة والعلم إجمالاً لدى الطفل فإنها تعكس بنسبة غير قليلة سلوكيات منفّرة من الجهات التربوية التي تتعامل مع الطالب بدءاً من البيت مروراً بالمدرسة والمحيط.

إنني أعتقد أن أحد أهم معايير أداء المعلم في وظيفته هو في درجة حب الطالب للعلم أو كرهه له كأمر سلبي، ما لم يستطع المعلم صناعة هذا الحب ففي اعتقادي أنه فشل في مهمته بنسبة كبيرة، بطبيعة الحال هناك أمور تقف أحياناً حجر عثرة له في مهمته، فلربما يسلك طرقاً جيدة غير أن عوامل خارجية تقلب المعادلة بسلوكيات تسبب النفرة من المدرسة فتكون النتيجة على غير ما يُراد، وربما اتفقت المدرسة والبيت سوياً في زراعة كره العلم في قلب الطفل، وهذا الأمر كان موجوداً وبشكل واضح في مجتمعنا السعودي، في زمنٍ مضى كان المعلم في كافة المراحل يستخدم طرقاً عنيفة في التعامل مع الطلاب وبمباركة من أولياء الأمور، هناك الجملة المأثورة التي يبديها أولياء الأمور للمدرسين: «خذه لحم، ورده عظم» هذه الجملة هي في حقيقتها شيك مفتوح الرصيد بأي «عملية تعذيب جسدي» يود المعلم منحها للطالب، في ذلك الحين كان الطلاب يكرهون المدرسة كرهاً في المعلم وهذا وضع طبيعي تجاه جهة عملت لفترة طويلة في زرع الرعب في نفوس الطلاب، طفل لا يُدرك من المعاني الأخلاقية شيئاً يذهب لجهة تلقنه شتى أصناف التعذيب الجسدي والنفسي بذريعة التربية فهل سيتولد في قلب هذا الطالب مقدار من حب لهذا المدرس؟!، في دائرتي المقربة هناك رجل جاوز الستين من عمره وهو فاقد السمع من إحدى أذنيه ويعاني من مشكلات مزمنة في الأذن الوسطى، كان ذلك بسبب تعدي أحد المدرسين عليه في طفولته بالضرب، هذا السيناريو كان مألوفاً فيما مضى وكان سبباً مهماً في كره الطلاب للمدرسة، نعم هناك الحزم وهو أمر مطلوب ولكن شتان بين التعذيب الجسدي الممارس سابقاً والحزم، اليوم يبدو الوضع أفضل بمراحل في معاملة الطالب، غير أن المدرس التربوي المبدع المالك لكاريزما الجذب يكاد يكون نادراً، في اعتقادي أن الارتقاء بمستوى المدرس في هذه الجوانب التربوية والنفسية ومنحه الدورات اللازمة لذلك أمر غاية في الأهمية، ذلك أن المدرس الذي لا يملك ذلك قد يكون سبباً من حيث لا يعلم في إفساد أجيال من الطلاب وإفساد مستقبلهم عن طريق سلوكيات منفرة وغير مسؤولة تنحدر بمستوياتهم العقلية والتحصيلية إلى أدنى المستويات.

الأمل يحدونا جميعاً أن تبادر وزارة التربية والتعليم للنهوض بمستوى الكوادر التعليمية إلى المستوى الذي يجعل المدرسة بدءاً من رياض الأطفال إلى الثانوي محلّ حب ومتعة وجذب للطلاب لا أماكن كره ومعاناة، لا أماكن يحتفل فيها الطلاب في نهاية العام الدراسي وبكل سرور بتمزيق كتبهم وكراساتهم سعادة بنهاية العام الدراسي وفراق المدرسة والمدرسين.