آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

الجوازات والأحوال.. شكراً لكما

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

يُوصف الإنسان في علم النفس بأنه كائن سلبي، ويُستدل على ذلك بأمثلة كثيرة منها مثال الجدار الأبيض والنقطة السوداء الصغيرة فيه، فلو سُئل الإنسان عن هذا الجدار فإنه عادة لا يقول إنه جدار أبيض جميل، أو جدار أبيض جميل وفيه نقطة سوداء، بل يكتفي بالقول إنه جدار فيه نقطة سوداء فقط في إشارة إلى أنه لا يرى الصورة كاملة أو الجزء المملوء من الكأس كما يُقال ولكنه يرى الوجه القبيح الذي لا يكاد يُرى بسبب صغر حجمه ومقداره، بطبيعة الحال هناك من يرد على هذا الرأي والاستدلال بأن هذا المثال لا يدل على سلبية الإنسان بقدر ما يدل على قوة ملاحظته، ولكلا الرأيين منطقهما واستطرادهما الذي ليس محل الحديث عنهما هنا.

هناك كثير من الأصوات التي ترمي الكُتَّاب عموما بتهمة السلبية بناء على المنهج النقدي الذي يتبعه أغلبهم، متسائلين عن المبرر الدائم للنظر إلى الجزء السيئ في أي قطاع ومحاولة تعميمه على كافة مفاصله لتظهر النتيجة للرأي العام على أنه قطاع متخلف لا خير فيه تماماً، وتجاهل أي إنجاز أو تقدم ملحوظ والإشادة به، هذا الرأي وللحقيقة لا شك أنه صحيح في جزء كبيرٍ منه غير أن سببه البسيط والداعي إليه هو الرغبة والأمل الدائم في تطويره الذي يعني أن يستمر تسليط الضوء على أي جانب سلبي من إجل إبرازه لمتخذي القرار والرأي العام لإصلاحه أو تغييره، وبعيدا عن كل ذلك سأميل في هذا المقال إلى الجانب المشرق في قطاعين مهمين، اللذين أعتقد أنهما حققا تقدما ملحوظا ومنفعة جليلة للمواطن، فقط ليستطيع الجميع إدراك هذا التقدم والثناء على رواده والساعين لتحقيقه.

الجوازات والأحوال المدنية كقطاعين مسؤولين عن مجموعة كبيرة من الخدمات التي من أهمها إصدار الجوازات وبطاقات الهوية الوطنية والإقامات والتأشيرات بأنواعها المختلفة من استقدام وزيارة وخروج وعودة والخروج النهائي بالإضافة إلى تصاريح السفر وغير ذلك، جميع هذه الخدمات كانت تمر بسلسلة طويلة من الإجراءات اليدوية التي ربما كان أكثرها بؤسا هو الذهاب للإدارة والتجمهر مع المنتظرين وربما مصارعتهم للدخول أول الوقت ما يعني عادة أن الوصول سيكون للأقوى، هذه البدائية الشديدة شهدت عمليات متتالية من التطوير أسهمت بشكل واضح في تحسن الخدمة بحيث أصبح الفرق فلكيا بين ما كان وما يجري الآن، أول تلك الأعمال كانت في استحداث موقع «أبشر»، الذي أدى إلى تحويل كثير من العمليات إلى أعمال إلكترونية يستطيع المواطن عملها من بيته، الآن يتيح هذا الموقع عمل التأشيرات وتصاريح السفر للقاصرين وكذلك تجديد الإقامات ورخص العمل التي طالما كانت سبباً في تراكم مندوبي الشركات ومعاناتهم أمام أبواب الجهات الحكومية لهذا القصد وقبل ذلك كله حجز المواعيد، كل ذلك قد أضاف كثيراً من التقدم والراحة للعملاء ويبقى الهدف المقبل والمذهل الآن هو إيصال الخدمات إلى المواطن في بيته أو مكان عمله على غرار البطاقات البنكية.

استحدث أخيراً وبالتعاون بين وزارة الداخلية ومؤسسة البريد السعودي خدمة أُطلق عليها «واصل»، هذه الخدمة معنية بإيصال أربعة أنواع من الوثائق المهمة إلى العملاء، أولها وثائق الإقامة للوافدين بأنواعها. «تم إطلاق الخدمة في مدينة الرياض»، والجواز السعودي وبطاقة الأحوال المدنية ورخص القيادة والسير. «سيعلن عن موعد إطلاق الخدمة مستقبلاً لهم حسب الموقع الرسمي للبريد السعودي»، هذا الإيصال يكون إلى عنوان العميل مباشرة بعدما يكون قد عمل كافة الإجراءات من تسديد رسوم الخدمة عن طريق برنامج «سداد» الموجود في كل البنوك إلى غير ذلك، هذا يعني أن الحاجة لمراجعة هذه الجهات ستقل كثيراً وسيزول تدريجيا شبحها وهي التي طالما كانت محل استياء وتذمر كثيرين لاسيما أولئك الذين يسكنون في أماكن بعيدة عن المدن الرئيسية ويتكبدون عناء قطع هذه المسافات لإنهاء هذه المهام.

الحذو حذو البلدان التي سبقتنا لتحقيق «الحكومة الإلكترونية» أمر غاية في الأهمية ونتمنى بالفعل أن تتلو هذه الأعمال أعمال أخرى تسير بنا إلى الهدف المنشود، هناك بالتأكيد رجال أسهموا بأفكارهم وأعمالهم في هذا التطور، هؤلاء الإداريون ومتخذو القرار ينبغي شكرهم وتقدير إنجازاتهم التي هي بالفعل صنعت فرقاً وخيراً على كل المواطنين، وبعيداً عن النظر بسلبية إلى هذا التقدم بدعوى أنَّنا تأخرنا كثيراً فيه، وأنَّ بلداناً كثيرة قد سبقتنا إليه، ينبغي تشجيع هذا المنحى والحث على مواصلة هذه الجهود للنهوض بالبلاد إلى تقدمٍ أكبر، وفق الله تلك الأيادي التي صنعت هذا الإنجاز وإن شاء الله نشهد في الفترات القادمة كثيرا من التطوير في كافة القطاعات الحكومية لاسيما الخدمية منها والبعد عن المنحى «اليدوي» الذي لا ينبغي أن يكون له مكان في قطاعاتنا المختلفة في ظل التطور التقني المذهل الذي يعيشه العالم أجمع.