آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

رفض الفساد أول خطوات الحل

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في أحد مطاعم البحرين الذي يوفر عدا الطعام فرصة الاستمتاع بالشاي المُخدَّر والقهوة بأنواعها الكثيرة وفرصة التدخين لمريديه، راقَ لي في أحد أيام عيد الفطر الدخول إليه مع أحد الأصدقاء بعد أن استغرقنا في رحلتنا إلى البحرين وعلى الجسر تحديداً 3 ساعات قاسية كانت كفيلة وكالمعتاد بعض أصابع الندم على هذه النزهة وتجديد التساؤل عن اليوم الذي تنفرج فيه هذه الغمة وتُحل هذه المشكلة بعد أن بحَّت الأصوات المطالبة بايجاد حل، وكما هو معتاد فقد قدم لنا النادل قائمة الأطعمة «menu» المتضمنة لأسعار الأطباق، وبعد الاستمتاع بالقليل من أطباقهم وحينما طلبت الحساب فوجئت بمبلغ باهظ نسبياً يزيد بكثير حتى عن ضعف الحساب المفترض، استفهمت مستنكراً عليه ذلك فأجابني بأنَّ نظامنا في أيام العيد هو نظام «minimum charge» أي حد أدنى لكل شخص، تساءلت: كيف لأمر كهذا أن لا يكتب في قائمة الطعام أو في مكانٍ ظاهر فقال إنَّ هذا هو المعروف لدينا وإن أحببت فاذهب وبلِّغ الجهات المختصة، بطبيعة الحال رفضتُ دفع المبلغ رفضاً تاماً وبعد مشاكسات عنيفة وأسلوب بهلواني من قبل مدير المطعم وموظفيه أرادوا من خلاله إيهامي أنَّ فرقة من القوات المسلحة المدججة بالذخيرة قادمة لاعتقالي وكأنما أنا أحد الدواعش الإرهابيين، استسلم أخيراً ورضخ وقَبِلَ مني الحساب بالقيمة الفعلية لطعامي، كنت حينها أُشاهد بنفسي بعض الخارجين من المطعم ممن قبلوا دفع المبلغ في حين شاركني أحد الزبائن استنكاره الشديد ورفضه للأمر، كل ذلك يعني باختصار أنَّ جميع من في هذا المطعم كانوا حينها في كمين فعلي وأنَّ من نجا وسينجو منه هم فقط من واجهوا هذه اللعبة بالرفض.

إنَّ أغلب عمليات الفساد التي تجري في المجتمعات هي عادة ذات سيناريوهات متشابهة، غير أنها تعيش في أوائل حالاتها خوفاً مما يشبه المخاض أو الولادة المتعسرة، ذلك أنَّ الفاسد يكون غير متأكد ما إذا كان بالفعل يستطيع النجاح في مشروعه أو لا، الطرف الآخر القادر على منحه شهادة النجاح في فساده هو المواطن الذي قبل به، إنَّ أي مواطن يقبل بالفساد هو في حقيقته شريك للفاسد لأنَّه منحه القبول والتشجيع في الاستمرار في فساده، المشكلة أحياناً تكون في استخفاف المواطن بالأمر لا سيما حينما يكون الفساد متعلقاً بمبالغ زهيدة، في اعتقادي أنَّ أي شخص يود أن يصبح في يومٍ ما «شخصاً فاسداً» فلا شك أنَّه سيبدأ بأمور أقل خطورة ولفتاً لنظر المواطن، ولكنه بالتأكيد سيتنامى في المستقبل ليصبح فاسداً محترفاً، هذا الشخص لن يكون كذلك لو واجهه المجتمع بقوة وإصرار على رفض الفساد أياً كان مقداره صغيراً أو كبيراً، في القصة التي ابتدأت بها كان مدير المطعم شجاعاً بذلك القدر الذي جعله واثقاً تماماً من نجاحه، ما يعني أنَّ الناس طالما قبلوا منه عملية «النصب والاحتيال» التي مارسها ربما لفترات طويلة الأمر الذي جعله يتعامل معها على أنَّها حق مكتسب يفعله مع الجميع دون أن يعارضه أحد، الرفض والإصرار عليه هو الذي يجعل أمثال هذه النماذج أكثر حذراً من مخالفة القانون واستغفال الناس.

إن من أكثر الحجج التي يبرر من خلالها كثيرون عدم الوقوف في وجه الفساد ورفضه هو «قوة الفاسد ونفوذه»، وفي اعتقادي أن الفاسد يحاول دائماً أن يوهم المجتمع أنه قوي ومدعوم بحيث ستؤول كافة محاولات صده بالفشل، ربما كان هناك من يملك بالفعل تلك القوة ولكن حتى أولئك الأقوياء إذا ما واجههم الناس بالرفض والإصرار عليه سيضطرون عاجلاً أم آجلاً للتراجع عن سلوكهم.

في المملكة نحن نعيش والحمد لله رغبة في محاربة الفساد واستحداث هيئة محاربة الفساد «نزاهة» وبأمرٍ ملكي هو دليل على ذلك، ولكن وكما كررت في مقالات سابقة فإن نزاهة يد واحدة واليد الأخرى هي المواطن، وما لم يتعاون المواطن مع نزاهة ويرفض ويصعَّد حالات الفساد التي تواجهه، فستبقى نزاهة أبطأ بكثير مما ينبغي، المواطن الرافض للفساد هو في حقيقته الإكسير القادر على علاج المشكلة والسير بالمجتمع إلى حيث يكون أكثر حضارةً ومثالية، كما أنَّ المثبطين هم أكثر الناس تسويقاً للفساد سواء أرادوا أم لم يريدوا، وما لم يكفوا وينشروا عوض ذلك ثقافة أنَّ القانون فوق كل شخص بغض النظر عن منصبه وقبيلته ومكانته الاجتماعية، وأنَّ على الجميع الوقوف في وجه الفاسدين، فإنَّهم سيبقون أدوات بأيديهم يستفيدون منهم دائماً لتحقيق مآربهم وأهدافهم.