آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

وليتهم قتلوا الكفار

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في الظهران مول وفي إحدى مُدن الألعاب الجميلة استجبتُ لدعوات أطفالي للدخول واللعب دون مزيد ضغوط، فقد كنتُ متأكداً من أن التفاوض معهم معركة تبدو أصعب بكثير من أن أستطيع حسمها، لذا رضخت ورفعت العلم الأبيض مستسلماً لرغباتهم، هناك وفي تلك المساحة الكبيرة المكتظة بالأطفال المتنوعين في الأصول واللغات والألوان، وجدتهم جميعاً مستمتعين ويشاركون بعضهم بعضاً اللعب، لم تكن طفلة بيضاء تستنكف مشاركة السوداء إياها، ولم يكن الطفل السعودي يرى بأساً في اللعب مع أي جنسية أخرى بغض النظر عن أي اعتبار، كانوا يحبون بعضهم بعضاً ويتعايشون دون أن يحتاجوا إلى من يعلمهم كيف يكون الحب، كنت حينها أتأمل كثيراً تلك المشاهد والسبب الذي يجعلهم على صغر سنهم وقلة علمهم أفضل بكثير من دكتور يحمل كثيراً من العلم وسهر في اكتسابه الليالي وهو لا يملك في هذه الحياة إلا كثيراً من معاني الكراهية والبغض التي تجعله مؤهلاً بامتياز لبناء أمة لا تعرف سوى لغة الحقد والتصنيف لخلق الله وتحديد من يستحق أن يبقى على قيد الحياة ومن يستحق أن تُلعب الكرة برأسه بعد قطعه على أصوات التكبير، ضمن هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكار والمشاهد، وددت بالفعل لو أصرخ عالياً لأقول للراشدين: تعلموا من الأطفال الحب أيها الرجال، تعلموا من الأطفال العيش المشترك أيها الأكاديميون، تعلموا من الأطفال أن الدنيا تستوعب الجميع، وأنكم أنتم الذين تبذلون كثيراً من الجهد لتبديل سنن الله في الأرض، لو تُرك الناس على فطرتهم للاحظ الجميع كيف أن المليارات التي تُنفق اليوم في محاربة الإرهاب في شتى أقطار الأرض، والتحالفات الدولية، وكل تلك الجهود المشتركة سيكون طريقها الأوجب هو تنمية الإنسان ومحاربة الفقر والبحث عن مزيد من أسباب العيش الكريم له في كل مكان.

شدَّني ما أبداه أحد خطباء المساجد حينما حاول أن يُدين قتل الأبرياء العزل في جارتنا العراق فقال مستنكراً: «يقتلون المسلمين!!! وليتهم قتلوا الكفار»، ومع أن كلمته غير صحيحة لأنَّ الإرهابيين لم يفوتوا على أنفسهم أي منقبة من مناقب الإرهاب إلا فعلوها، فقتلوا المسلم وغير المسلم، النساء والأطفال والشيوخ وكل شيء، إلا أن هول هذه الكلمة بدا قوياً عليَّ، ويكفي ليتكرر رنينه في أذني دون توقف، وربما صح المثل الشعبي هنا «جى يكحلها عماها».

«وليتهم قتلوا الكفار»!!!! هل يوجد سبب ديني واحد لقتل الناس الآمنين في ديارهم أيها الشيخ؟! هل يوجد سبب قانوني واحد لقتل مواطن آمن يخالفك في الدين أيها الشيخ؟! إن أمثالك هم الذين يغيرون الفطرة الآدمية المحبة للسلام الموجودة في كل إنسان لتُغرر بشبابنا وتمنحهم السبب في قتل الأبرياء وتشويه سمعتنا في كل مكان.

في اعتقادي أن الشباب اليوم ينبغي مخاطبتهم بلغة علمية حديثة ومقنعة تحترم عقولهم وتبني فيهم المعايير الإنسانية التي تجعلهم على فطرتهم الأولى أُناساً محبين للسلام والخير وقادرين على استيعاب حقيقة أن البشر مختلفون، وأن أي محاولة لتغيير هذه الحقيقة هي محاولة عبثية لا يريد دعاتها إلا أن يقتاتوا على الفتن والدماء بين بني البشر، لغة الحجب والمنع لا تنفع في مثل هذا الزمان، العالم أصبح مفتوحاً بحيث تبدو أي عملية حجب خاسرة النتيجة وليست لها جدوى، بناء العقل وتعليم طرق وأسس التفكير السليم وزرع مبادئ الحب والخير والتسامح وواقعية الاختلاف بين الناس هي أمور لا غنى عنها، وأعتقد أن أي داعية للكراهية بين الناس ينبغي الوقوف في وجهه وإيقافه لأنه بالفعل أحد أهم الأسباب في تخلف المجتمع وتشويه الدين.

اعتصرني الألم وأنا أشاهد جثث الأبرياء تطفو على النهر بعد إزهاق أرواحها تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى، هذا الألم في حقيقته نتيجة للأزمة الفكرية التي دُعْشِشَ بها الشباب، بحيث أصبح الدين بالنسبة إليهم مصطلحاً يرادف القتل والخطف والاغتصاب وكل معاني التخلف والرجعية، بالفعل ما نحتاج إليه اليوم هو إعادة بناء الإنسان الواعي الذي لا تنطلي عليه أحاييل دعاة الكراهية والإرهاب، بحيث يشكل وغيره البيئة التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع المتحضر.