آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

صناعة الصناعة

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

ما إن يجري الحديث عن نية أحد لإقامة مشروع تجاري حتى يبادر البعض للتشجيع الإيجابي وتوضيح أن مشكلة توفير السيولة التي يظنها كثيرون معضلة حقيقية قد انتفت تماماً بوجود كثير من الجهات الداعمة والمرحبة بأي راغب ومتقدم، ومع أن طريق الحصول على القرض ليس مفروشاً بالورد كما يحاول البعض تصويره، والعملية تبدو معقدة بحيث يحتاج فيها الشاب إلى إصرار كبير وعناء ودعم من جهات ذات خبرة في إعداد دراسات الجدوى وما إلى غير ذلك، إلا أنَّ المشكلة الأكبر كما أعتقد وفيما يتعلق بالمشاريع الصناعية تحديداً ليست فقط في توفير السيولة، المشكلة هي في أن القدرة على إدارة مثل هذه المشاريع تتطلب خبرات خاصة قد لا تتوفر لدى كثيرين، حتى أولئك الذين يعملون في شركات صناعية.

على أي سالك مسلك الصناعة أن يستوعب كثيراً من المعوِّقات التي أنهت طريق كثيرين غيره حتى قبل أن يبدأوا أو ربما أوشكت على ذلك، الحديث في هذا السياق يتطرق للمعوقات في عدة جوانب كالمكائن والصيانة والعمال المشغِّلين ووصول المصنع إلى طاقته الإنتاجية المطلوبة والتسويق والمبيعات، كل هذه الأمور تحتاج عناءً كبيراً ويكفي التعثر فيها إلى تبخير رأس المال المقترَض وإضافته مع فوائده إلى إجمالي الخسائر. هنا تظهر فكرة قرض «مشروع جاهز» عوضاً عن قرض المال كفكرة أهم ما يبررها انتفاء أسباب التعثر في مرحلة التأسيس.

تأسيس المشروع من الجهة الداعمة وإقراضه والإشراف الأولي عليه ولمدة معينة بعد تسليمه للمقترض، يستطيع بالفعل أن ينقذه من أي احتمال للخسارة في المراحل الأولى ويمنح الجهة الداعمة ثمرة وطنية واجتماعية مهمة، في اعتقادي أنَّ تغيير نمط الدعم المالي الحالي في المشاريع الصناعية تحديداً إلى «إقراض مشروع» بحيث تقوم الجهة الداعمة التي تملك من المال ما يمكِّنها عادةً من جلب كفاءات عالية أو التعاقد مع جهات متخصصة، بحيث يقوم هؤلاء بتأسيس المصنع وجلب المكائن الجيدة وتشغيلها إلى أن يستطيع الوصول إلى الطاقة الإنتاجية المطلوبة، وكذا توظيف وجلب الموارد البشرية المؤهَّلة، كل ذلك يجعل احتمال نجاح المشروع كبيراً ومن قدرة صاحب المصنع على السداد كبيرة أيضاً، ويُسهم كما أعتقد في بناء ثورة صناعية متميزة في البلد.

اليابان التي أرجعتها القنبلتان الذريتان سنوات طويلة إلى الخلف استطاعت الوصول إلى قمة الهرم الصناعي في العالم حينما ابتدأت قبل أي شيء، بما في ذلك التعليم، ب «صناعة الصناعة»، وكذا الحال في كوريا الجنوبية صاحبة المركز الخامس في اقتصادات العالم بعدما كانت من أفقر بلدان العالم قبل خمسين سنة، أعتقد أن الحذو حذوَ هذين البلدين في صناعة الصناعة يستطيع أن يحقق للوطن كثيراً من التنمية ومحاربة البطالة لا سيما أن هذا النوع من المشاريع يحتاج عدداً كبيراً نسبياً من الموارد البشرية.

لدى أرامكو برنامج لقروض المشاريع اسمه «واعد»، هذا البرنامج يقدم قروضاً جيدة للراغبين بعد استيفائهم الشروط المطلوبة، في اعتقادي أنَّ شركة رائدة كأرامكو ينبغي أن يكون لها دور أكبر من مجرد قرض، هذا القرض لن يشكل بالضرورة مشروعاً ناجحاً، ما الذي يمنع أرامكو بعد أن يتقدم المواطن بمشروعه الذي تنطبق عليه الشروط المطلوبة من قيامها هي بإنشاء المشروع وفقاً لضوابط الجودة المطلوبة؟!، حينما تقوم أرامكو وغيرها من الجهات المانحة بمنح مواطن مالاً فإنهم لم يسهموا في تحقيق شيء ملموس للوطن على أرض الواقع لأن الخسارة والتعثر واردان، الشيء الملموس هو وجود كيان صناعي منتج، لذا فإنني أتمنى بالفعل لا سيما من أرامكو أن تحاول تغيير نمط برنامجها «واعد» إلى تأسيس مصانع وإقراضها لمن تنطبق عليهم الشروط، بهذه الطريقة يكون لشركة رائدة كأرامكو قيمة اجتماعية مؤثرة، أما نهجها الحالي فلا يليق كما أعتقد بشركة تعي إدارتها جيداً أنَّ المال الذي تُقرضه المواطنين لن يشكل بالضرورة ثمرة اجتماعية مفيدة.

أتمنى بالفعل من الجهات الداعمة النظر في مثل هذا الأمر الذي أعتقد أنه قادر على الإسهام في تحقيق كثير من الإيجابيات للاقتصاد الوطني، وأجد في تبنِّيه محاربة عملية للبطالة التي هي بلا شك شبح يطارد أي مجتمع إنساني.