التحرّش.. أزمة رقابة وعقاب
يمثّل التحرّش أزمة حقيقية تواجهها كثير من المجتمعات حتى تلك المصنفة منها بالمتقدمة، منظمة Hollaback هي إحدى تلك المنظمات الناشطة في أمريكا للحد من التحرّش، وقد أجرت دراسة ميدانية من خلال تصوير امرأة غير مبتذلة الملابس تسير في طرقات نيويورك، فأظهر التصوير تعرّضها خلال 10 ساعات إلى 108 حالات تحرّش متفاوتة الطريقة في دلالة واضحة على تفشي هذه الظاهرة لديهم، أما الصين فتصل فيها النسبة إلى 70%، فيما تصل إلى 80% في كندا، في حين أن الأرقام في الوطن العربي مرعبة إذ تُسجل في مصر سنوياً حوالي 20 ألف جريمة اعتداء جنسي أو تحرّش بحسب إحصاءات المركز المصري لحقوق الإنسان.
في الأول من سبتمبر 2014 نشرت الشرق خبراً بعنوان «الشرطة تجلد متحرشي فتيات الظهران في مكان الجريمة»، هذه البادرة تشكل كما أعتقد منعطفاً مهماً في التعامل مع ملف التحرّش، ذلك أنَّ بعضا ممن لا يعجبهم الالتزام بالقوانين قد تمادوا بحيث أصبح العقاب هو الحل الأمثل لمثل هذه التصرفات، وبعيداً عن ذلك يبرز السؤال الأهم حول مدى كون هذه العقوبة رادعة وكافية بحيث تُسهم بالفعل في الحد من هذه الظاهرة وإزالتها من مجتمعاتنا وأسواقنا؟!.
ربما تصح المقايسة المنطقية بين التحرّش وتجاوز السرعة القانونية أثناء قيادة السيارات، ما يجري في الطرق السريعة ببساطة هو أنَّ نظام ساهر وكاميراته المكشوفة للعيان تجعل السبيل سالكاً للمخالفين لتخفيف السرعة عند وصولهم لتلك الكاميرات ومعاودتها بعد التجاوز، ما يعني باختصار أنَّ ساهر لن يشكل فرقاً كبيراً بين وجوده وعدمه، هذه مع الأسف حقيقة نظام ساهر، التحرّش هو تماماً ذات الأمر، فعدم إلمام كثيرين بالقانون المعرِّف بشكل دقيق لمعنى التحرّش وأشكاله والجزاء القانوني المترتب عليه، وعدم وجود آلية رقابية محكمة هي سبب مهم في جعل المتحرّش يزاول هذه العملية ولا يكف عنها إلا حينما يجد رجال الهيئة أمامه، ولأنَّ رجال الهيئة لن يكونوا عادةً بالعدد الكافي في مجمّع تجاري ضخم لإشعار أي متحرّش أنَّه محل مراقبة وأنَّ ضبطه أمر وارد، لذا سيكون بمقدوره دائماً القيام بهذا الفعل الشنيع متى أراد، هنا يبرز أمر تغيير نمط الرقابة من هذه العملية البدائية إلى الرقابة عن طريق كاميرات موزعة في الأسواق كخيار أهم أسبابه هو إشعار كل متسوّق أنَّه محل ملاحظة وأنَّ أي مخالفة ستؤدي به إلى الضبط بناءً على أدلة ملموسة ومحكمة.
في كثيرٍ من المجمّعات التجارية تجد عبارة «للعائلات فقط» على الأبواب، وتجد من رجال أمن المجمّعات من يمنع الشباب من الدخول، في اعتقادي أنَّ كل هذه التدابير والتصرفات ليست حلولاً منطقية لهذه المشكلة ولن تتسبب إلا في مزيد من التضييق على الشباب الذين يحق لهم أن يمارسوا حياتهم الطبيعية بحرية في ظل القانون لا سيما أنَّ أغلب المجمّعات التجارية ليست نسائية فقط، من هنا فمنعهم تماماً فيه تعميم لتصرف فئة شاذة لا تمثل المجتمع، ولا تستوجب إيقاع العقوبة على الفئة الشبابية دون تمييز، لذا يبدو تفعيل دور الرقابة والعدالة في تطبيق العقوبات بحق المتحرّشين هو الخيار الأفضل لتجاوز هذه المشكلة والوصول إلى مجتمعٍ آمنٍ ومستقر، وما لم يحصل ذلك فلا أظن أنَّ شيئاً سيتغير وسيبقى المتحرّش على قناعة راسخة أنَّه بمأمن من العقوبة وبالنتيجة سيبقى دائماً مسيئاً للأدب.













