آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

كتاب وقلم وكراهية

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

«دعونا نحمل كتبنا وأقلامنا فهذه هي أمضى أسلحتنا، طفل واحد ومعلم واحد وكتاب واحد وقلم واحد يمكنهم أن يغيروا العالم»، كانت هذه العبارة هي أولى كلمات الطفلة المناضلة في سبيل التعليم «ملالا» أمام الأمم المتحدة التي صفق لها الأعضاء كثيراً يومذاك، ملخص نشاط هذه الفتاة هو سعيها ووالدها من أجل التعليم، لا سيما تعليم المرأة، في مسقط رأسهما وادي سوارت والمدن المحيطة به في باكستان، الأمر الذي اعتبره المتشددون محاربةً للدين ونشراً للفكر الغربي المنحرف، وبالنتيجة استُهدفت ملالا في محاولة لاغتيالها بطلقات نارية لم تكن كافية لإنهاء حياتها وإسكات فمها وصوتها الناهض حينذاك.

«دعونا نحمل كتبنا وأقلامنا فهذه هي أمضى أسلحتنا»، نعم الكتاب والقلم هما الأداتان اللتان تستطيع بهما أي أمة الوصول إلى القمم، ولكن يبدو الحديث بهذا النوع من التبسيط هو حديث إنشائي لا يقدم لأحدٍ أي قيمة تذكر، الحديث عن التعليم هو كما أراه حديث عن بناء الإنسان بالقدر الذي يجعله على المستوى العلمي عنصر بناء وتقدم ونهضة عامة للبلاد وعلى المستوى السلوكي راشداً ملتزماً بالنظام ومهيأً قبل كل شيء للتعامل الحسن مع الآخر - أي آخر - دون تصنيف يمنح صاحبه الحق في ازدراء البشر والسعي متى ما بُسطت له اليد في إيذائهم وإقصائهم، في هذا السياق أجد وربما اتفق معي كثيرون أنَّ الاهتمام العام بالجوانب السلوكية والمعاملاتية أقل مما ينبغي، بحيث تُلاحظ شريحة يبدو ملامح التدين واضحاً عليها فيما الجانب السلوكي عكس ذلك تماماً أو على الأقل ليس بذات الدرجة، وربما صدق أحد المفكرين العرب الذي زار إحدى الدول الغربية يوماً وادَّعى أنَّ الإسلام في الدول الإسلامية بينما المسلمون في الغرب، في إشارة إلى أنَّ المعاملة الحسنة واحترام القوانين والأنظمة والأخلاقيات العامة لديهم هي قيم سائدة أحرى أن تكون بنفس الدرجة لدى مجتمعاتنا.

من قام بعملية استهداف المناضلة ملالا هو شخص يحمل شهادة في الفيزياء، هذه الشهادة لم تكن كافية لتجعله أفضل من الناحية السلوكية من إرهابي قاتل، والأمر ينطبق على كثير ممن يقطعون الرؤوس ويستهدفون الآمنين وهم يُبشرون أنفسهم برضوان الله وجنانه يوم غد، تجد ضمن هؤلاء الأطباء والمهندسين والطيارين ولكن لا تجد منهم من يستطيع أن يعي معنىً بسيطاً من معاني الحب، التي ينبغي أن تجعل أحداً منهم إنساناً، ولو بالمعنى البدائي الذي يجعله يُحسن العيش دون حرب ونار، في اعتقادي أنَّ تنمية سلوك «الحب» هو خيار لا بد منه، لا أعني به كمصطلح ذلك التعريف المتناثر في كتب الأخلاق هنا وهناك، بل بالمعنى الذي يفهمه الأطفال الذين يشاركون بعضهم بعضاً اللعب دون النظر إلى لون الطفل الآخر ودينه ومذهبه وجنسيته، هذا النمط من المشاركة التي يفهمها الأطفال هي التي تصنع مجتمع الحب والألفة فيما بعد، فيما دعاة البغض والكراهية والعنف لا يعجبهم هذا الصفاء لذا تجدهم منشغلين في إلقام النشء كل ما يستطيعون من نتن روحهم الشريرة المبغضة.