آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

إرهابيون من غير تصنيف

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

تساقطت قذائف غريبة من حولها، كان ينبعث منها دُخانٌ رائحته أشبه برائحة الثوم والمواد المتعفنة، حينها تساقطت الطيور والحيوانات وهي تئن قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في غضون لحظات، كان الصمتُ المميتُ حليفَ الموقف، شعرتْ باختناقٍ شديد وبحرقة في عينيها، فركضت بعيداً بكل ما تستطيع من جهد، قبل أن تُسْعَف بقناعٍ واقٍ لم يكن كافياً إلا لإنقاذ حياتها، فيما البصر قد فُقدَ مؤقتاً ومُلئ جسدها بالبثور، لتصبح جوانا ابنة الثامنة عشرة في لحظات قليلة امرأةً عجوزاً.

أكراد العراق أمة عاشت كثيراً من المآسي وفقدت الآلاف من أبنائها في أحداث ربما كان أكثرها وحشية استخدام الأسلحة الكيميائية ضدهم في أكثر من مناسبة بين العامين 1987 و1988، أشهر هذه المجازر كانت مجزرة «حلبچة» التي راح ضحيتها آلاف المدنيين العزل، جوانا سيدة كردية وزوجة لأحد جنود البشمركة كتبت بالتعاون مع الكاتبة العالمية جين ساسون شهادتها على أحداث يندى لها جبين الإنسانية وذكرت بما لا مزيد عليه كثيراً من التفاصيل لأبشع عمليات القتل والتعذيب والإبادة الجماعية التي تعرّض لها الأكراد.

الإرهاب هو فعلٌ إجرامي ليس له تصنيف، الإرهاب لا دين له ولا مذهب ولا عرق، في هذا السياق تجد من الكتَّاب والإعلاميين العرب الكثيرين ممن يحاولون مع الأسف نسب الإرهابيين إلى أديان ومذاهب وقوميات، وفي اعتقادي أنَّ أمراً كهذا هو غاية في الفظاعة، مكمن الخطورة هنا هو ما يتبع ذلك من تأليب مقصود أو غير مقصود ودعوة إلى التباغض والاحتراب بين الناس، من قام بتصفية الأكراد وذبحهم ومحاربة جيرانه ليس شيعياً أو سنياً، ليس مسلماً أو كافراً، لا ينبغي بأي حال من الأحوال تصنيفه ضمن هذه التصنيفات أو حتى الحديث حول ذلك، هو إرهابي من غير تصنيف، وكل من يقوم بأفعال تتنافى مع الإنسانية هو كذلك كائناً من كان.

ما زال هناك من الإعلاميين من يحاول بطريقة أو بأخرى صناعة رأي عام ضد الجماعات التي ينتمي إليها المتطرفون والإرهابيون، بينما الواجب كما أعتقد هو تأسيس أنَّ الإرهابي يمثل نفسه فقط، ترسيخ هذا الأمر في الأذهان هو ما ينبغي، وأما الاستغراق الذي نراه اليوم في التصنيفات المختلفة فهو منشأ مهم من مناشئ التباغض والفتن بين الناس.

يعج عالمنا العربي والإسلامي مع الأسف بكثير من مشاهد الحرب والدمار والإرهاب اليومية، ولعلي لا أُبالغ إذا قلت إنَّ هناك من ينظر لهذه المشاهد ويتفاعل معها مثلما يشاهد ويتفاعل مع مباريات كرة القدم، فتراه مشغولاً بتصنيف جهة وتشجيعها ضد الأخرى وهكذا دواليك، من صنع هذه الحالة في جزءٍ كبير منها هو الإعلام، الميلشيات الفلانية قاتلت الجماعة الفلانية!! الإرهابي الذي مذهبه كذا قتل الجماعة الذين مذهبهم كذا!!، وتستمر السلسلة طويلاً والنتيجة هو غياب التقييم الموضوعي لهذه الحالات وانشغال الناس بتصنيف من يوافقونهم في الدين والمذهب والعرق والاتفاق معهم على حساب أفعال أحرى أن يتفق الجميع على إرهابيتها ومنافاتها للقيم الإنسانية قبل أي شيء آخر.