آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

«أمي العودة»

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

عادة ما يكون الحصار والعقوبات الاقتصادية الطريقين الأكثر تأثيراً على مخالفي القانون، ولأنني كنتُ شقيا بالمستوى الذي لا بُدَّ معه من تدابير صارمة، لذا كانت هذه الطريقة مثلى للتعامل معي في طفولتي، وحدها جدتي الغالية أو كما يطيب لي تسميتها ب «أمي العودة» هي من تكسر هذا الحصار وتمنحني كل الذي افتقدته وأكثر، مؤكدةً عليَّ أن الالتزام بنظام السلطات العليا هو ما ينبغي، فهي بالتأكيد لن تأمرك إلا بما فيه الخير والصلاح، لتنتهي بذلك أزمة هذا الطفل العنيد، وتعود تلك الحيوية وتلك الأسباب التي تدفع الأطفال دائماً للتعلق بأجدادهم، اليوم تمر علي كل تلك الذكريات وأنا أجدها أمامي نائمة بسلام بعد أن اختار لها الله سبحانه وتعالى دار كرامته وخلوده بعيدا عن هذه الدنيا الفانية.

هناك كمٌ هائل من المؤلفات التي تتحدث عن الإنسان بتعريفه كائنا عقلائياً يستطيع تغليب لغة العقل على غرائزه الكثيرة والمتأججة، ضمن هذا السياق هناك رأي يقول إن الأخلاق هي «صفات أفعال»، بمعنى أن الصدق والأمانة والشجاعة والكرم وغيرها ليست صفاتٍ يعرفها الناس بمعرفة معانيها اللغوية فقط، بل هي تعني في المقام الأول أداءها كسلوك واقعي، انطلاقا من ذلك يبدو ملخص القصة المأثورة عن الذي خاطب عالما يملك المئات من الكتب الدينية والأخلاقية وادعى أنه يفقه جميع الذي في هذه الكتب صحيحا، فلما سأله العالم عن دليله قال: لم تُكتب هذه الكتب إلا لتجعل أخلاقنا سوية وتجعلنا محبين وطاهري القلوب والسريرة وأنا والحمدلله كذلك، في اعتقادي وربما اتفق معي جميع من عرف هذه المرأة أنها مثال عالٍ من أمثلة الأخلاق والإيمان والخير.

في بعض الأحيان كنت أسمعها تتحدث وحدها ولا أجد معها أحدا، وحينما كنتُ أطيل السمع كنت ألحظها تُخاطب الله سبحانه وتعالى وتتحدث معه وكأنّما هي تراه أمامها، كانت تشكو له أحيانا أو تدعو لأولادها بالخير والصلاح أحيانا أخرى، ما أعذب وأرق وأسمى هذا القلب وهذا التعلق الكبير والإيمان، لم تكن ترى حجابا بينها وبين ربها يمنعها عن مصارحته بشكواها وآلامها وأمنياتها الخيِّرة لمن حولها بلغتها الدارجة التي تستخدمها مع الجميع دون أن تضع لنفسها قيوداً أو شروطا مسبقة للحديث معه عزَّ وعلا.

وفي حبها للعلم والتعلم حديثٌ يطول، يبقى جانبه الأهم في إصرارها على تعليم أولادها التعليم العالي رغم أن التعليم بما هو أدنى من ذلك في العقود الماضية كان يكفي لأن يعيش الإنسان حياةً كريمة في ظل توفر الفرص الوظيفية وفي أفضل وأكبر الشركات، إلا أنها أبت وبإصرار أن يكون أحد أبنائها دون البكالوريوس في وقت كان فيه كثيرون دون هذه الدرجة، أما جيرانها ضمن الدائرة الجغرافية المحيطة فهم أبناءٌ لها تبادرهم بالسلام والتحية وتسأل عنهم بعناية دائماً وربما قست على بعضهم حيناً بما تمليه عليها المحبة الصادقة، وكم أخبرني غير واحدٍ منهم أنها كانت تعدهم بالمكافآت حال النجاح في المدرسة وتهبهم إياها دون تأخير، كل ذلك جعلهم وهم يحملون جنازتها موقنين أنهم يحملون أمهم الحنون إلى مثواها الأخير وهم في حزن وألم، رحمك الله يا «أُمي العودة»، إنا لله وإنا إليه راجعون.