آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 11:38 ص

التكبر، مرض القلوب

سراج علي أبو السعود *

للتكبر تعاريف كثيرة أحدها: «تعاظُم الذَّات وتَقْديرها تَقْديرًا مُفْرِطًا»، أهمية الحديث حول هذا الأمر تنبع من تصور الكثيرين أنَّ التكبر هو ذلك السلوك الخارجي الذي يتسم بالتعالي على الآخرين والنظر اليهم بنظرة دونية، في حين يتجاوز المعنى الحقيقي لهذا المصطلح إلى ما يُضمره الإنسان في داخله من تعالي تجاه الآخرين حتى وإن لم يبدِ ذلك لهم، هناك عقل يعتقد أنَّه معيار للكمال الأخلاقي والعلمي وفي القرب من الله سبحانه وتعالى، لذا فإنَّه يُضمر دائماً في داخله أفضليته المطلقة على الناس وأنَّ هؤلاء يتكاملون كلما اقتربوا منه علمياً أو ثقافياً وينحدرون بالاتجاه المعاكس، هذه الحالة ربما كانت هي الشائعة لدى كثيرين، واقعا يُنكر هكذا شخص هذه الحقيقة ويحاول دائما التزي بزي التواضع في حين تكشف المواقف الكثيرة وجهه الحقيقي من باب «ومهما تكن عند امرئ من خليقة... وان خالها تخفى على الناس تُعلمِ».

يقرأ المقال ليبحث عن زلَّة تدخل على قلبه السرور، يسمع الحديث ليبرز عضلاته في نقضه، وإذا تحدث أسكت الجميع وإذا تكلم أحدهم يدعي الاستماع في حين أنَّه لا يسمع ولا يريد أن يسمع شيء، لماذا؟! لأنَّه يعرف كل شيء، ولأن أخلاقه وحدها الفاضلة، ولأنه قرأ واطلع حتى بلغ ذروة المجد في الثقافة!!، القصة المروية عن النبي موسى ع حينما طلب منه الله سبحانه وتعالى أن يجلب معه حين المناجاة من يعتقد أفضليته عليه هي شاهد جميل على أنَّ التواضع والظن بأفضلية الغير على النفس هو شعور داخلي في الإنسان، فحينما بحث موسى كثيراً عمَّن هو كذلك لم يجد إلا كلباً أجرباً فربطه ومشى به إلى جبل الطور قبل أن يتوقف ويخليه، وحينما وصل إلى مكان المناجاة أوحى الله اليه يسأله عما أمره به، فأجاب بأنَّه لم يجد شيئاً يرى في نفسه أفضليته عليه، فجاء النداء فيما يروى: «وعزتي وجلالي، لو كنت أتيت به لمحوت اسمك من ديوان الأنبياء»، هكذا لم يعتقد نبي من أولى العزم أفضليته على أي من مخلوقات الله فيما نجد بين ظهرانينا من يرى نفسه كاملاً معصوماً في كل صفاته وأفعاله.

هناك قلوب مخلصة لله سبحانه وتعالى ولا يستطيع الناس عادةً تصور ذلك فيهم، الواقعة المروية حول صانع الأقفال ملفتة جداً في هذا السياق، فحينما أراد أحد العلماء التشرف برؤية صاحب الزمان عجل الله فرجه وبَذَلَ جهده في العبادة أربعين ليلة في مسجد السهلة لم يوفق بذلك، وحينما خرج مهموماً ومشى في سوق الحدادين استوقفه حوار بين امرأة عجوز وحداد تطلب منه شراء قفلها بمبلغ زهيد «ثلاث شاهيات» لحاجتها للمال فعرض عليها مبلغاً يزيد عن الضعف «سبع شاهيات» فظنت أنه يتهكم عليها لا سيما وجميع حدادي السوق عرضوا عليها «ربع شاهي» لما رأوها مضطرة للبيع، فقال لها أنَّ سعره العادل أغلى بكثير مما تطلبيه، وبالفعل أجرت الصفقة، وكان هذا العالم يلاحظ ذلك فأبدى للحداد أنَّ هكذا فعل سيجعله تاجراً فقيراً فجاءه النداء من أحد الجالسين في دكان الحداد أنْ إذا أصبحت مثل هذا الرجل ستتشرف برؤية الإمام، وبعد التفرق التفت متأملاً في كلمة الرجل فعرف أنَّ من ناداه كان هو الإمام، وعرف كيف اختار حداداً في السوق ليزوره فيما هو العالم المتعبد لم يستحق ذلك، هذه القصة - إن صحت - شاهد يؤكد أنَّ عالماً أفنى حياته في العلم والعبادة لا يعني بالضرورة أفضليته على حداد يبيع الأقفال في السوق.

من المهم جداً أن يعي الإنسان أنَّ العالِم بالحقيقة هو الله سبحانه وتعالى وحده، لذا لا ينبغي أن يضمر علوه وأفضليته على الآخرين، لأنه لا يعلم يقيناً بحقائق الناس، فيما هو بالتأكيد يعرف حقيقة نفسه، ختام القول ما روي عن الإمام الصادق : «من التواضع ان ترضى بالمجلس دون المجلس، وأن تسلّم على من تلقى. وأن تترك المراء وإن كنت محقاً، ولا تحب أن تحمد على التقوى».