قضية على طاولة مكتب العمل
يبذل مكتب العمل جهوداً مضنية في فض النزاعات العمالية ومنح الموظفين والشركات كطرفي خصام حقوقهم المفروضة وفق القانون، هذا الدور المهم كان ومازال صمام أمان يُعيد لكل ذي حقٍّ حقه، غير أنَّ هناك نقاطاً أراها نقاطَ ضعفٍ لابُدَّ من معالجتها، وأتمنى أن يحالفني التوفيق لطرحها تباعاً في مقالات قادمة، ذلك أنَّ الطرف الأضعف وهو الموظف هو وحده من سيتكبد كثيراً من الخسائر إذا ما بقي الحال كما هو، وأحد تلك النقاط هي المدة الطويلة لانقضاء القضايا، التي قد تتجاوز السنوات، هذه المدة الطويلة هي كما أرى من النقاط التي طالما كانت محل استياء كثير من الموظفين أصحاب القضايا دون أن يتمكنوا من عمل أي شيء يحول دون ذلك.
لا أستطيع أن أدعي جزماً أنَّ تبريراً هنالك لا يوجد لتلك القضايا التي تمر عليها السنوات دون أن تنقضي، غير أنَّ من المسلم به أنَّ موظفاً قضيته الفصل من الخدمة سيكون بلا عمل لفترة ربما ليست قصيرة، ولاشك أنَّ ذلك يمثل ضرراً كبيراً جداً عليه لاسيما مع وجود التزامات مالية وعائلة تطلب السكن والدواء والحياة بأشكالها كافة، وفي ظل عُسرة ومشقة الحصول على عمل بديل خلال فترة قصيرة فإنَّ عواقب الكارثة ستكون فادحة، من هنا فإنَّ ابتكار آليات تكفل إنهاء القضايا العمالية في فترات قصيرة هو أمر ليس من بديلٍ له، لا أستطيع شخصياً أن أُقدم اقتراحات في الشق المتعلق بالقانون الصرف، غير أنَّ زيادة أعداد القضاة الإداريين بما يتناسب مع الاضطراد المتسارع في أعداد موظفي الشركات أجده أمراً مهماً في طريق إصلاح هذا الأمر، ويفرضه الازدياد السكاني في المملكة بشكل عام، وإنني هنا أُناشد جداً تلك الجهات المعنية في مكتب العمل أن تنظر في أمر علاج هذه الظاهرة بما يتناسب مع أهميتها، الأمر اللافت هنا هو أنَّ بعض محامي الشركات يحاولون بأسلوب أو بآخر أن يصنعوا ذرائع لتطويل مدد القضايا من أجل الضغط على الطرف الآخر ليتنازل عن قضيته ويرضى بالفتات، وفي ظل عسر حال الموظف فإنَّه يرضخ مقهوراً وكله ألم وحزن لما آلت إليه قضيته، موظفون بسطاء لا يسعفهم علمهم للوقوف في وجه محامين لهم باع طويل في القانون ويستطيعون دائماً قلب الحقائق فتُحسم القضايا ضد الموظفين، أو أنَّهم يُقدِمون باختيارهم بعد طول ضغط على تقديم تنازل عن قضاياهم، وليت مكتب العمل يملك إدارة توعوية واستشارية تكون معنية بإرشاد الموظفين أصحاب القضايا إلى الخيارات المناسبة لطرح قضيتهم أو أهمية توكيل محامين عماليين إذا لم يكن هؤلاء الموظفون بمستوى وعي كافٍ لمجابهة خصمهم الآخر وهو الشركات.
حينما سرد عليَّ أحد الأصدقاء المفصولين من عملهم قصته المأساوية في طول قضيته في مكتب العمل، تأكدَ لديَّ أنَّ هناك كثيراً من الحالات المشابهة لقضيته من ناحية المدة الطويلة، لا أدعي أنَّ مكتب العمل والعياذ بالله يتعمد ذلك، ولكنني أعتقد أنَّ نتيجة المدة الطويلة في انتهاء بعض القضايا هي إحداث أضرار بالغة، لذا فالنظر في هذه النقطة والعمل على تصحيحها تفرضه الضرورة الملحّة التي يؤكدها واقع الموظفين المفصولين المرير ومعاناتهم، وقبل الختام لاشكَّ أنَّ من الواجب جداً الثناء على مكتب العمل الذي أصبح بين يديه كثير من الموظفين الضعفاء أقوياء حينما أسهم في حفظ حقوقهم المسلوبة، في حين أصبحت الشركات تُراجع حساباتها كثيراً قبل أن تعمد لأي قرار يجعلها وجهاً لوجه مع مكتب العمل، أسأل الله لمسؤوليه كل التوفيق والسداد.













