بشت ياباني وشماغ سويسري وثوب «جيفنشي»
في المملكة وفي الخليج وربما العالم العربي عموماً، كثيرةٌ هي تلك الأُسر التي عُرفت بألقاب هي في حقيقتها أسماء لمهن كانوا يزاولونها من قبل، الخيَّاط، القلاف، القفاص، الصفار، الحداد، النجار، الخباز، البنَّاي وغيرها، ولا شك أنَّ حالة هكذا تعكس حقيقة أنَّ المجتمع كان يغص بالمهن التي يؤديها أفراده، كان معتمداً على نفسه في توفير جميع مقومات الحياة، انطلاقاً من أنَّ الزمن فرض هذا السلوك عليه، ولا شكَّ أنَّ مثالية المجتمع في جزءٍ منها تتحقق حينما يكون قادراً بنفسه على توفير قِوام الحياة الكريمة لأفراده.
بعد اكتشاف النفط، وبسبب الحاجة الماسة للأيدي العاملة، أغرت الأجور العالية الناس للتوجه إلى الشركات الكبرى، ليس ذلك فحسب، بل إنَّ نظرةً دونيةً سادت بين الناس لذلك الحرفي، أسهمت هي الأُخرى في دق بعض مسامير نعش هذه الحرف. هذا التوجه أدَّى بشكلٍ واضح إلى انحسار تدريجي للمهن الحرفية وصل إلى أن تُوصف هذه المهن بمصطلح ''المهن التراثية''، أصبحت ماضٍ ننقله للأبناء دونما أسىً على ذلك الماضي الذي كان ينبغي جداً المحافظة عليه بشتى الوجوه.
هو هوية لمجتمع وحضارة صناعية أسهمنا جميعاً بطريقة أو بأُخرى في محاربتها أو انحسارها التدريجي إلى الحال الذي نراه، هذه الحالة من انصراف أبناء الوطن للعمل في الشركات جعلت مستقبل هذه الحرف بيد العمالة الوافدة، خبازنا وافد، نجارنا وافد، وما انتهى من هذه الصناعات أصبح مستورداً الآن من الخارج، العباءة العربية أصبحت اليوم يابانية الصنع، أحد رموز الزي العربي ''الشماغ'' أصبح اليوم سويسريا، كما أصبح الثوب ''جيفنشي'' و''دنهل''، وربما يصبح الحذاء ''الزبيري'' عما قريب باريسي الصنع، وما لم ينتهِ تماماً من تلك الحرف أصبح اليوم بيد السادة كومار وكوبير وإخوانهما.
إنني أعتقد أنَّ إيجاد صندوق حكومي لدعم المشاريع الحرفية أمر سيسهم بلا شك في المحافظة على البقية الباقية من هذه المهن، كما أنَّ وجود طرق تسويق ومعارض حديثة لعرض هذه المنتجات يُعتبر كذلك أمرا ضروري لها، إذ إنَّ نسبةً ربما ليست قليلة من هؤلاء الحرفيين يزاولون مهنهم في معامل صغيرة داخل قراهم ومناطقهم البعيدة ربما بعض الشيء عن المدن الرئيسة المكتظة بالسكان. وجود اهتمام هكذا سيمنح هؤلاء الحرفيين التشجيع الكافي لاستمرارهم في هذه المهن.
في مناطق كثيرة من العالم هناك دائماً من يبحث عن منتجات ''صنع اليد''، والمملكة والخليج عموماً لا يختلفون عن غيرهم، من هنا فإنَّ الطلب على هذه الصناعات، كما أعتقد وبناءً على هذه المعطيات كافٍ بالتأكيد لمنح أصحابها دخلاً كافياً ليجعل حياتهم حياةً كريمة.
ما يحتاجون إليه هو اهتمام حكومي يمنح منتجاتهم عرضاً جيداً في أماكن تستطيع استقطاب المهتمين كما أنَّهم بلا شك يحتاجون لتسويقٍ يُعرِّف منتجاتهم للجميع. اهتمام هكذا سيبقي تُراثاً وهويةً تبدو ـــــ مع الأسف الشديد ــــ يوماً بعد يوم في طريق الزوال.













