الوطنية كما أفهمها
انطلاقاً من أن المجتمع هو في حقيقته مجموعة من الأفراد والجماعات التي تعيش في موقع جغرافي واحد وتربط بينها علاقات مختلفة، وانطلاقاً من أن رقي المجتمع في جزءٍ أساسٍ منه هو في تفعيل دور طاقاته بما يسهم في تطوير أجزائه وقطاعاته المختلفة، انطلاقاً من كل ذلك يبرز لدينا في هذا السياق مصطلح الوطنية كمفهوم غاية في الأهمية للوصول بأي مجتمع إنساني إلى ذلك المستوى الرفيع من التقدم والنماء.
للوطنية تعريفات عديدة لعلَّ أغلبها يتلخص في مجموعة الواجبات والحقوق التي ينبغي على الإنسان القيام بها نحو وطنه، فالوطنية بالنتيجة هي صفة فعل لا مجرد ادعاء أجوف لا يمتُّ للسلوك بصلة، هذه الوطنية يكفي لإثباتها مواقف الإنسان المتعددة في محيط حياته وعمله، فلو ادَّعى شخص الوطنية ليلاً ونهاراً فيما هو يمارس - متى ما سنحت له الفرصة - ما هو مخالفٌ لما ينبغي، لم يكن هذا الشخص إلا عدواً حقيقياً لوطنه وأمته، ولو سعى آخرُ انطلاقاً مما يملكه من منصب وقدرة في حماية الوطن ومقدراته وأهله كان وطنياً بالمقدار الذي ينبغي دائماً الثناء عليه وتقدير جهوده، ومهما كانت قيمة هذا الإنسان العلمية أو الثقافية أو الوظيفية، فإن سلوكه وأخلاقياته هي المرآة الحقيقية لما في قلبه من حب وولاء لوطنه ومجتمعه.
إن من الملاحظ جداً تلك الحالة من القشرية والسطحية الشديدة في تناول موضوع الوطنية، حتى يخيل للبعض أنها مجرد تفاخر بانتماء لبلد يضم على أرضه ما يستوجب الفخر، تفاخر بفلكلور وزي وملابس خاصة فقط، فيما لا يُسعف هؤلاء إدراكهم ربما إلى فهم أن السعي الحثيث لتطوير البلاد ورفعة شأنها هو أحد أهم معايير الوطنية، وما دام هؤلاء يمارسون شتى أصناف الطرق الملتوية للتلاعب بالأنظمة والقوانين، فإنَّ مستوىً متدنياً ربما من الوطنية التي يدَّعونها لم تتمثل فيهم، لا أُنكر أنَّ الاعتزاز بالوطن أمر مطلوب ومهم، ولكن هذا الاعتزاز ينبغي أن تواكبه سلوكيات تثبت حقيقته وتؤكد عليه.
العلم يرفع بيتاً لا عماد له…والجهل يهدم بيت العز والشرف
إنَّ السعي في الارتقاء بالإنسان بصفته المورد الأهم إلى أعلى المستويات يعتبر بلا شك أمراً غاية في الأهمية، ذلك أن إنساناً غير مؤهل لم يكن يوماً ليستطيع أن يقدم أي قيمة تذكر لوطنه، غير أنَّ إنساناً متعلماً فقط دون إحساس ودافع للمساهمة في تطوير البلد لن يكون سبباً في النهوض بالبلاد وإكسابها أي قيمة تذكر، بل ربما يكون عاملاً سلبياً في طريق تقدمها.
هذا الدافع هو كما أعتقد يجسد الوطنية الحقيقية التي ينعم بها هذا الإنسان، وهي الدليل الحق الذي يثبتها، ومن المهم في هذا السياق التأكيد على أن قرار خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله يحفظه الله بفتح باب الابتعاث الخارجي وإرسال عشرات الآلاف من الشباب إلى أفضل جامعات العالم، سيكون له الأثر البالغ في تشكيل نواة حقيقية لمجتمع متقدم يسهم فيه أبناؤه في البناء، ويبقى كل ذلك كما أسلفت مرهوناً بذلك المستوى الذي يمنح صاحبه الرغبة في رفعة بلده والارتقاء بها إلى أعلى المستويات.













