العنف غير المرئي
لشدَّ ما لفت نظري خبر نقلته إحدى الصحف المحلية وهو إلقاء القبض على أب حاول إحراق ابنه بعد أن احتجزه أكثر من ساعتين على الرغم من محاولات أسرية كثيرة لإنقاذه، واستطاعت أخيراً قوى الأمن القبض عليه وتخليص الطفل، ومع أنَّ الخبر يبدو صادماً إلاَّ أنَّ الإعلام عموماً ينشر ويذيع بين الحين والآخر كثيراً من التعديات الوحشية على الأطفال، التعديات التي تصل إلى التعذيب والتنكيل لأسباب تافهة جداً، وإن كانت أفعال كهذه لا تحتاج لكي تُدان لأي سببٍ تافهٍ أو غير ذلك.
تُعرِّف مراكز مكافحة الأمراض واتقائها في الولايات المتحدة الأمريكية «CDC» «Centers for Disease Control and Prevention» التعدي على الأطفال بأنه «فعل أو مجموعة أفعال مورست من طرف أحد الوالدين أو مَنْ يقوم برعاية الطفل التي تسببت في إيذاء حسي، أو معنوي للطفل، أو تهديد بإيذائه»، ويُعتبر هذا التعريف الأشمل الذي تتفق معه معظم جمعيات مكافحة العنف ضد الطفولة في العالم.
في المملكة حدث كثير من التطور في هذا الصدد، فبعد أنْ كانت نسبة غير قليلة من المدرسين في الأجيال السابقة تتنافس في سادية التعامل مع الأطفال، فقد تمكنت وزارة التعليم من إيقاف كل تلك الأفعال المشينة بقانون صارم، غير أنَّ المشكلة تقبع في «العنف غير المرئي» الذي يُمارس داخل البيوت المغلقة بحق الأبناء وليس لأحد القدرة على إيقافه، في هذا الصدد فإنَّ التفكير الجاد في آلية تستطيع حماية الأطفال من العنف أجده أمراً غاية في الأهمية، ولعلَّ وجود خط هاتف لهذا الأمر هو بادرة مهمة سبقنا لها كثير من البلدان واستطاعت تحقيق نتائج إيجابية، غير أنَّ الهاتف ينبغي بموازاته حملة تثقيف عالية للأطفال في رياض الأطفال وفي المدارس حول آليات التعامل مع هكذا ظروف والطريقة التي يستطيعون من خلالها إيصال صوتهم للجمعيات المعنية، بحيث تستطيع الجهات الرسمية التعامل سريعاً مع الموقف، ليس ذلك فحسب، بل إنَّ المجتمع هو بأسره معني بمحاولة إيصال حالات العنف إلى الجهات المختصة وليس لأحد أن يتملص من مسؤوليةكهذه، وشعوركهذا وبادرة من المجتمع هو بلا شك قادر على الحد من هذه الظاهرة.
إنَّ ظروفاً قاسية من التعامل التي يعانيها الأطفال لها عواقب وخيمة، ليس أقلها اهتزاز شخصياتهم في المستقبل، بل ربما تصل إلى انحرافات خطيرة تسبب الجريمة والرعب وتنشر الإرهاب في المجتمع، من هنا فحماية الطفولة هي في حد ذاتها حماية للمجتمع وأمنه في المقام الأول، ومساهمة في إيجاد جو نفسي ايجابي يستطيع أن يمنح الطفل مزيداً من الأسباب لأن ينعم بحياة هادئة محفزة على الإبداع.













