آخر تحديث: 26 / 4 / 2025م - 6:34 م

لماذا تفشل بعض المشاريع الخيرية؟ الحل في دراسة الجدوى

عبد الله أحمد آل نوح *

في عالم العمل الخيري، تتحمل المؤسسات مسؤولية كبرى تجاه المجتمع والمتبرعين على حد سواء، وعلى الرغم من النوايا الصادقة والجهود المخلصة، إلا أن بعض المشاريع الخيرية تواجه التعثر أو الفشل، ليس بسبب قلة الموارد، بل لأن القرارات اتُّخذت بناءً على العاطفة وحدها دون الاعتماد على دراسة جدوى علمية ومدروسة.

المشاريع الخيرية تحركها مشاعر إنسانية نبيلة، لكن العاطفة وحدها لا تكفي لضمان نجاحها، فكثير من الجمعيات تبدأ مشاريعها بناءً على حماس المتبرعين أو رغبة أعضاء مجلس الإدارة في تنفيذ فكرة معينة، دون أن يتم التحقق من جدوى المشروع أو دراسة مدى احتياج المجتمع له. والنتيجة أن بعض المشاريع تبدأ بقوة، لكنها تتوقف بعد فترة بسبب نقص التمويل أو ضعف التخطيط، وبعض المنشآت الخيرية تُبنى، لكنها تظل فارغة بسبب غياب التشغيل الفعلي، بينما تُطلق برامج دعم، لكنها تفشل في الوصول إلى الفئات المستحقة.

غياب دراسة الجدوى يجعل المؤسسة الخيرية عرضة لاتخاذ قرارات غير مدروسة، مما يؤدي إلى هدر الموارد وعدم تحقيق الأهداف المرجوة. دراسة الجدوى توفر رؤية واضحة قبل إطلاق أي مشروع، فهي تساعد في تحديد الحاجة الحقيقية له ومدى فائدته للمجتمع، كما تضمن استخدام الموارد بأفضل شكل ممكن وتجنب الهدر المالي، خاصة أن المؤسسات الخيرية تعتمد على التبرعات، وأي مشروع غير ناجح يعني خسارة أموال كان يمكن توجيهها لمبادرات أكثر جدوى.

في ظل التوجه العالمي نحو الاستدامة المالية، لم يعد من المقبول تنفيذ مشاريع تعتمد بالكامل على التبرعات المتقطعة، فلا بد من وجود مصادر تمويل مستدامة تضمن استمرار الخدمات المقدمة للمستفيدين، ودراسة الجدوى تلعب دورًا أساسيًا في هذا الجانب عبر تقديم خطط تشغيلية واضحة وخيارات تمويل متنوعة. كما أن دراسة الجدوى تساعد المؤسسات الخيرية على توقع التحديات المحتملة قبل وقوعها، مما يتيح لها وضع حلول استباقية تضمن نجاح المشروع واستمراريته.

بعض المشاريع الخيرية تعثرت بسبب غياب دراسة الجدوى، فمثلا قامت إحدى الجمعيات ببناء روضة أطفال دون دراسة مسبقة، وبعد بدء التشغيل تبين أن المنطقة بها عدد كافٍ من الروضات الخاصة، مما جعل الطلب على الروضة الخيرية ضعيفًا، وانتهى الأمر بخسارة بعد عامين؛ بسبب عدم القدرة على تغطية التكاليف التشغيلية. كما أن بعض المؤسسات قررت إنشاء مستوصف خيري دون دراسة كافية، لكن بعد افتتاحه تبين أن تشغيله يحتاج إلى ميزانية ضخمة تتجاوز إمكانيات المؤسسة، إضافة إلى أن السكان يفضلون الذهاب إلى المستشفيات الحكومية القريبة، مما جعل المشروع غير فعال، ولو تم توجيه الأموال إلى تأمين صحي للأسر الفقيرة بدلاً من بناء المستوصف، لكان الأثر الاجتماعي أكبر وأشمل.

في مثال آخر، قامت إحدى الجمعيات بإنشاء صالة أفراح خيرية لمساعدة الشباب المقبلين على الزواج، بسبب العاطفة واعتقاد القائمين على المشروع أنه سيحقق عوائد ممتازة، لكن بعد فترة اكتشفت أن تشغيل الصالة يتطلب ميزانية تشغيلية مرتفعة، وأن الإقبال عليها كان محدودًا، وبدلاً من ذلك، أظهرت دراسة لاحقة أن تقديم دعم مالي مباشر للمقبلين على الزواج كان سيحقق فائدة أكبر بتكلفة أقل.

لكي تنجح المؤسسات الخيرية في مشاريعها، عليها أن تبدأ بتحليل الاحتياج الفعلي لكل مشروع قبل إطلاقه، فمن المهم التأكد من أن المشروع يمثل أولوية حقيقية للفئة المستهدفة، كما أن تحديد التكاليف المتوقعة ومصادر التمويل يضمن عدم تعثر المشروع بعد إطلاقه. يجب أن تفكر الجمعيات دائمًا في البدائل المتاحة، فقد يكون هناك حلول أكثر كفاءة من إنشاء مشروع جديد، مثل دعم مشاريع قائمة أو تقديم منح مباشرة للمستفيدين، كما يجب أن يتم قياس الأثر المتوقع للمشروع وتحديد المعايير التي ستحدد استمراريته أو إيقافه.

العمل الخيري لا يجب أن يكون عشوائيًا أو قائمًا على المشاعر وحدها، بل يجب أن يُدار بمنهجية احترافية تعتمد على دراسة الجدوى لضمان تحقيق أقصى فائدة بأقل تكلفة. إذا أرادت الجمعيات الخيرية أن تعزز استدامتها، وتكسب ثقة المتبرعين، وتحقق الأثر الحقيقي، فعليها أن تجعل دراسة الجدوى جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار، وليس مجرد إجراء شكلي.

النجاح في العمل الخيري لا يُقاس بعدد المشاريع المنفذة، بل بجودة واستدامة المشاريع التي تحقق تغييرًا حقيقيًا في حياة الناس، فالتخطيط الجيد هو مفتاح النجاح، ودراسة الجدوى ليست مجرد تكلفة إضافية، بل استثمار حقيقي في مستقبل المؤسسات الخيرية والمجتمعات التي تخدمها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
زكريا أبو سرير
[ تاروت ]: 24 / 2 / 2025م - 8:36 م
نشكر رجل الأعمال الأستاذ ابا أحمد على هذه الإشارة المهمة، كما أننا نوجه كل الشكر والتقدير للأخوة المتطوعين و المتبرعين على العمل بهذه الأعمال الخيرية الاجتماعية الا انه ينبغي إعادة التخطيط و التفكير القائم على المنهجية الحديثة في المؤسسات و المشاريع الغير ربحية، و النظر إلى راس المال الخاص بهذه المشاريع الغير ربحية الخيرية على أنها مشاريع ذات تحقيق عوائد مالية مستدامة وقائمة بذاتها في المستقبل، وهذا لا يكون الا عند اخضاع كل فكرة مشروع إلى أصحاب التخصص لدراستها دراسة وافية من كل الجوانب، وعلينا بقبول النتائج المحصلة من هذه الدراسة، فإن كان المشروع له فوائد حاضرة و مستقبلة وقادر في المستقبل ان يشغل نفسه بنفسه كان بها، وإن كان الرد بصرف النظر عن فكرة هذا المشروع وذلك لتكبد المؤسسة الغير ربحية للخسائر فنبغي الابتعاد عنه والتفكير في مشروع غيره مناسب، وكلما كان التفكير موسوعي كلما قللنا من مستوى المخاطر المالية و غيرها، كما أني اقترح بأن تتحول المشاريع الغير ربحية الخيرية الى مشاريع نفعية استثمارية مالية بشكل اسهم لها عوائد سنوية تعود على المساهمين تحت إدارة متخصصة في الاستثمار، وهذا يعزز المسؤولية أكثر اتجاه اي خطوة تقوم بها هذه المؤسسات الغير ربحية و في نفس الوقت أصبحت جهة تذر أرباح على جملة من المساهمين وهذا بدوره يشجع على الاتجاه نحو الطريق التنموي الخيري الاجتماعية بالية أوسع و أسرع و أدق.. والله العالم
عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال