آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 8:58 م

السيد علي بن السيد ناصر السلمان الأحسائي.. سيرةُ علمٍ، ونقاءِ سريرةٍ، وأثرٍ لا يزول

ناجي وهب الفرج *

حين غاب السيد علي بن السيد ناصر السلمان الأحسائي - رحمه الله - لم يكن الغياب عابرًا في سجلّ الأيام، بل كان انكسارًا هادئًا في قلب المجتمع، وشعورًا عامًا بأن صفحةً نقيّةً من صفحات العلم والعمل قد طُويت. لم يكن الرحيل فقدَ شخصٍ، بل فقدَ معنى؛ معنى العالم الذي يعيش بين الناس، ويقيم في وجدانهم قبل مجالسهم.

تدفّق الحزن صادقًا، لا تصنّع فيه ولا تكلّف، وازدحمت مشاعر الوفاء في مشاهد العزاء، وتتابعت القلوب قبل الوفود، وكأنّ الجميع يشهد أن هذا الرجل لم يكن طارئًا في حياتهم، بل كان جزءًا من طمأنينتهم اليومية، وسكينة حضورهم الاجتماعي. وما ذاك إلا ثمرة القبول الإلهي الذي لا يُنال إلا بالإخلاص، كما قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: 96].

كان وجوده أشبه بعمودٍ خفيٍّ يشدّ البنيان من الداخل؛ لا يُرى أثره ما دام قائمًا، فإذا غاب شعر الناس بثقل الفقد، وكأنّ سندًا متينًا قد انحسر عن حياتهم. ومن هنا جاء الحزن عميقًا، لا لأن الموت حلّ، بل لأن الغائب كان ملاذًا ومعنى.

وفي ميدان العلم، كان السيد السلمان مثالًا للعالم الذي لا يُثقل علمه تواضعه، ولا يزاحم وقارهُ سكونُه. علمٌ واضح الأثر، راسخ الأساس، لكنه ممهور بلين المعاملة وخفض الجناح، فكان العلم عنده وسيلة بناءٍ للنفوس، لا سلّمًا للمباهاة، فارتفع قدره وارتقى أثره، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11].

أما عطاؤه، فلم يقف عند حدود التعليم والإرشاد، بل جاوزها إلى سماحة النفس، وبذل المعروف، وحسن الرعاية. كان يعطي بهدوء، ويخدم بلا ضجيج، ويرى في كل يدٍ ممدودة بابًا للقرب من الله، وفي كل حاجةٍ مقصودة فرصةً للأجر، كما قال سبحانه:

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ [البقرة: 110].

وقد استمدّ وقاره وثباته من التزامٍ واعٍ بنهج أهل البيت ، فانعكس هذا الانتماء سكينةً في السلوك، وطمأنينةً في المواقف، ومهابةً غير مصطنعة في القلوب. كان ثابت الجنان في وجه تقلّبات الدنيا، محاطًا بقيمٍ إيمانيةٍ تحصّنه من الاضطراب، داخلًا في وعد الله لأوليائه:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62].

وإن كان الموت قد عاجله، فإن الخسارة لم تكن من نصيبه، بل من نصيب من فقده؛ إذ رحل وقد سبقه أثره، وبقي ذكره شاهدًا على إخلاصه. فقد عاش حياةً موصولة بالخير، وترك وراءه سيرةً تُروى بصدق، وأثرًا لا يبهت مع الزمن، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128].

وقوله سبحانه:

﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 46].

رحم الله السيد علي بن السيد ناصر السلمان الأحسائي؛ فقد عاش كريم السيرة، ورحل عزيز الذكر، وبقي أثره حيًّا في القلوب، لا يغيبه الزمن ولا تطويه الأيام.

المصادر:

1. القرآن الكريم.

2. مضامين المراثي الأدبية بوصفها توثيقًا وجدانيًا للسيرة.

3. السِيَر العامة للعلماء العاملين في الأحساء والقطيف وسياقهم الاجتماعي والديني.
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية