القراءة بِلُغَتين
تشير المقولة الشهيرة «لغة ثانية تعني عقلًا ثانيًا» إلى أن القراءة حول موضوعٍ ما بلغةٍ ما كاللغة الأم، تختلف في محصلتها عن القراءة حول نفس الموضوع بلغة أخرى. ذلك أن كل لغة تمثل في الغالب ثقافة مختلفة بخلفية مختلفة عن أي لغة أخرى، مع الأخذ في الحسبان تاريخها وتراثها الثقافي وكتبها وحتى مفرداتها، وما يتعرض له المتحدثون بكل منها من أفكار وأحداث. كل هذه الأمور تُحدث درجة من الانحياز الفكري باتجاهٍ ما لأصحاب كل لغة، ما يسهم في تشكيل مواقف متنوعة، وينعكس من ثَمَّ على التراث المرتبط بهم، وهو ما يؤدي إلى درجة من الفرادة في أفكار كل لغة وإلى ندرة حدوثِ حياديةٍ كاملة في الأفكار بعيدًا عن اللغة المكتوب بها.
فحينما نقرأ عن حدث تاريخي كالحرب مثلًا في منطقة ما فإن عرض أحداثها يختلف من طرف لآخر؛ فما يعده طرف فتحًا وانتصارًا يعده الآخر احتلالًا وهزيمة أو انتكاسةً، ومن يعدهم البعض قتلى يعدهم آخرون شهداء. كل هذه الاختلافات تمكن القارئ بلغة إضافية من اكتساب ملكة تفكير أكثر موضوعية وشمولية؛ نتيجة تعرضه لوجهات نظر مختلفة ومتفاوتة، كما تجعله يفكر من وجهة نظر الآخر، وتجعله أكثر استعدادًا لاكتساب درجة من التعاطف والتسامح والقبول للتنوع.
وتساهم القراءة بأكثر من لغة في إثراء المفردات والمهارات اللغوية للقارئ بسبب مصادفته لمعان وعبارات جديدة ربما لا تكون في لغته الأم. ويساعد تنوع المعاني والتراكيب في اللغة الثانية على رفد المخزون اللغوي وإثرائه في اللغة الأم.
وفضلًا عن هذه الإيجابيات فإن قراءة بعض النصوص الأدبية، كالروايات، بلغتها الأصلية، أجمل بمراحل عديدة من قراءة نصوصها المترجمة التي تفقد الكثير من ألقها بعد الترجمة، وربما عجزت بعض الترجمات عن إيصال فكرتها، رغم وجود نصوص مترجمة تفوقت على النصوص الأصلية. ورغم التقدم الكبير الذي حصل في الترجمة مع دخول برامج الذكاء الاصطناعي فإن ذلك لم يعوض أبدًا عن قيمة قراءة الأعمال بلغاتها الأصلية.
وإذا أضفنا إلى هذا وجود نصوص ومواد كثيرة جدًّا بلغات أخرى لم تترجم بعد، فإن هذا يُعد ميزة مهمة تضاف إلى القراءة بلغات ثانية، فضلًا عن أنها تعالج السأم الذي قد يرافق تكرار القراءة بلغة واحدة مع نفس العبارات والجمل، وتحسن القدرة على التكيف مع المهام المتعددة.
ولأن القراءة بلغة أخرى تجبر الدماغ على بذل جهد أكبر لفهم المعنى فإنها تحسن القدرات الإدراكية للقارئ وتقوي الذاكرة؛ نتيجة التبديل المستمر بين لغتين، وهو ما يساعد في تأخير الإصابة بالخرف أو الألزهايمر، ويقلل من خطر التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر. وأظهرت بعض الدراسات أن الأشخاص الذين يعرفون أكثر من لغة عادة ما يكونون أفضل في التفكير النقدي وفي التعامل مع بعض المشاكل وحلها.
















