آخر تحديث: 6 / 2 / 2026م - 1:05 ص

ديناميكيات التحول في البنية العشائرية العراقية: من التضامن القرابي إلى التنظيم السياسي الانتخابي

يشكل المشهد الاجتماعي والسياسي في العراق بعد عام 2003 مساحة مثيرة لدراسة تفاعلات التقليد مع الحداثة ولعل العلاقة الجدلية بين العشيرة ومؤسسات الدولة هي العقدة الأبرز في هذا المشهد فالعشيرة في العراق لم تكن يوماً جماداً تاريخياً يعتمد فقط على رابطة الدم بل أثبتت أنها كائن ديناميكي مرن يمتلك قدرة فائقة على التكيف الوظيفي مع المتغيرات السياسية الحادة وهو ما يتناغم مع طروحات عالم الاجتماع العراقي د. علي الوردي حول ازدواجية الشخصية وقدرة البنية الاجتماعية على التلون وفق الظروف.

الفرضية الأساسية التي نطرحها في هذا المقال هي أن العشيرة العراقية لم تعد تكتفي بوظيفتها التقليدية «التضامن، الحماية، وحفظ القيم» أو ما أسماه ابن خلدون بـ ”العصبية“، وإنما تحولت في ظل النظام الديمقراطي الحالي إلى ما يشبه التنظيم السياسي غير الرسمي حيث أصبحت فاعلاً انتخابياً حاسماً يعمل وفق آليات نفعية لضمان البقاء والنفوذ مما أنتج نموذج هجين تتداخل فيه الأعراف القبلية مع السياقات الديمقراطية الحديثة وهي ظاهرة حللها بعمق المفكر د. فالح عبد الجبار حين تحدث عن ”العمامة والأفندي“ وتداخل البنى التقليدية بالحديثة.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن السياق التاريخي والسياسي وتحديداً الفراغ الهائل الذي خلفه انهيار الدولة المركزية في 2003. ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تذيب العملية الديمقراطية الهويات الفرعية لصالح هوية وطنية جامعة ولكن حدث العكس تماماً؛ حيث لجأ الفرد العراقي إلى العشيرة كملاذ أمني واقتصادي بديل عن الدولة الغائبة أو الضعيفة وهذا الإحياء العشائري المتفاقم لم يكن مجرد عودة للماضي وانما كان إعادة إنتاج للعشيرة بصيغة نفعية حديثة؛ حيث تُستخدم الروابط التقليدية لتحقيق مكاسب سلطوية وهو ما يشبه المفهوم الذي طرحه د. خلدون النقيب حول مفهوم الدولة التسلطية التي تعيد إنتاج العشيرة لخدمة السلطة.

لقد وفر النظام الانتخابي في العراق بتشجيعه للتنافس المحلي البيئة المثالية لهذا التحول مما دفع بعض شيوخ العشائر والوجهاء - مع الاحترام الكبير لمن حافظ على وقار المشيخة - للانتقال من دور المصلح الاجتماعي الذي يفض النزاعات إلى دور المقاول السياسي الذي يتفاوض مع الكتل والأحزاب.

تتجلى ميكانزمات هذا التحول بوضوح في السلوك الانتخابي فما عادت العشيرة تصوّت بناءً على القناعات الأيديولوجية أو البرامج الحزبية بل تحولت في كثير من الأحيان إلى كتلة تصويتية صماء يتم توجيهها بناءً على اتفاقات مسبقة تضمن تبادل المصالح وهنا تظهر العشيرة وكأنها تمارس نوعاً من الانتخابات الأولية التمهيدية لاختيار مرشح يمثلها ليس لكفاءته السياسية بالضرورة بل لقدرته على جلب الخدمات والتوظيف لأبناء العشيرة من خلال موقعه في السلطة.

هذه الديناميكية تعكس بوضوح مفهوم الزبائنية السياسية حيث يتم مقايضة الدعم السياسي «الأصوات» بالمنافع المادية «الوظائف والحماية» وبهذا المعنى تصبح العشيرة هي الحزب الفعلي في وعي الناخب بينما يصبح الحزب السياسي مجرد يافطة قانونية للمرور نحو السلطة.

إن خطورة هذا التحول تكمن في أثره العميق على بنية الدولة ومفهوم المواطنة؛ فبدلاً من أن تكون الدولة هي المرجع النهائي للقانون أصبحت مؤسساتها ساحة للمحاصصة بين الولاءات الفرعية ويؤدي هذا تسييس القرابة إلى إضعاف المؤسسات البيروقراطية التي تصبح مخترقة بالولاءات العشائرية مما يعيق تطبيق القانون بمساواة وشفافية.

علاوة على ذلك، فإن تحول العشيرة إلى تنظيم سياسي قد يهدد تماسك العشيرة نفسها حيث يؤدي التنافس على المكاسب السياسية أحياناً إلى انقسامات داخل البيت العشائري الواحد وتآكل السلطة المعنوية للشيوخ لصالح سلطة المال والنفوذ السياسي.

بالنتيجة، فإن الواقع العراقي اليوم يعيش حالة من التداخل المعقد حيث تُستخدم أدوات الديمقراطية «الانتخابات» لترسيخ هرميات السلطة التقليدية مما يضع عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة أمام تحديات بنيوية هائلة تتطلب تفكيكاً لشبكات المصالح التي تربط السياسي بالعشائري.

أستاذ في كلية الإمام الكاظم عليه السلام بالعراق