آخر تحديث: 6 / 2 / 2026م - 1:05 ص

التقوى آفاق معرفية وتربوية

ورد عن أمير المؤمنين : «واعلموا - يا عباد الله - أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله..» [أمالي الشيخ الطوسي، المجلس الأول، ص 26].

نحتاج في بُنانا الفكرية والسلوكية إلى مثل هذه الومضات التي تنير العقل وتكسبه الوعي بالدور الوظيفي للإنسان في هذه الحياة وكيفية إدارتها وفق منهجية متكاملة وفعّالة، وتبدأ هذه الرحلة المعرفية من فهم الفرد لنفسه وقواه وطريق التكامل والرقي الذي يسير عليه، متخطيا العراقيل بعد أن يحرص على تجنب المنزلقات والمهاوي المؤدية إلى المعايب والنقائص، كما أن إدراك حقيقة المصير والأجل المسمى الذي يحياه يخلع من فؤاده نظرة الخلود والتكبّر، ويساعده على تقوية إرادته في السير الجاد والمثابر لتحقيق الأهداف والمقاصد التي يصبو إليها، حيث أن البعض قد يتحصّل على إفاقة مؤقتة بسبب موقف يصدمه ويعيد له رشده لحين، ولكن لانغماسه في الغفلة وعدم امتلاكه لإرادة قوية وصلبة تساعده على الاستدارة نحو الحق والفضيلة، يخبو وهجها سريعا ويتلاشى مفعولها شيئا فشيئا ليعود إلى المربع الأول، ومثل هذه الحِكَم الرائعة تبث الوعي وترشد العقل نحو فهم نقاط القوة والاقتدار في شخصية الإنسان، والتي نعبّر عنها بالتقوى والمناعة من التقرّب من دوائر المحرمات الشرعية والرذائل الأخلاقية، وليس هناك من صورة ناصعة وواضحة للتقوى معرفيا وعمليا يمكن تقديمها كما نسمعها ونعيها من كلمات تصدر عن عقل ربّاني، قدّم منهجية أخلاقية متكاملة ورؤى معرفية بثّها في حروف ذهبية، وتعضدها سيرة عملية وتجربة رسالية خاضها أمير المؤمنين ، كما يتضح ذلك من مواقفه وتصرفاته التي تنبئ عن شخصية كمالية تدثّرت بالطهارة الروحية والنزاهة العملية في مختلف الوقائع.

إن النفس البشرية من أعقد الأمور في استبصار حقيقتها وتعقيدات المشاهد والأحداث التي تسايرها وتنصهر فيها، بما يحمله الإنسان من معتقدات وقيم تتبلور وتتجسّد على أرض الواقع؛ لتخبرنا عن تقلبات المجتمع الإنسان وتبدّلات المواقف بحسب الظروف، ولكن تبقى مثل هذه الإرشادات مؤشرا لمعايير التحليل والتدقيق في صفحات التاريخ والكتب، ولذا ينبغي التعامل معها بمهنية وجدية ووقوف تأمّل وتحليل يخوض في البنية المعرفية والأخلاقية التي تحملها؛ وصولا إلى خريطة ذهنية تحمل أبعادا واستنتاجات يمكن تحويلها إلى برنامج مهني وعملي، إذ أن الحياة الدنيا في حقيقة مواقفها وتبدّلات مشاهدها كبحر أمواجه هائجة، وتحتاج إلى ربّان متمرّس ومقتدر يستطيع مغالبة الظروف الصعبة وتذليل العقبات حتى يصل إلى بر الأمان والنجاة.

وفي الختام فإن هذه التحفة السنية تعدّ خارطة طريق ومسار فكري يوضح طبيعة العلاقة بين الدنيا والآخرة، ويصبغ الأفهام بالوعي والبصيرة بالمنهج الأخلاقي الذي يحفظ للنفوس تألقها وتكاملها، فالتقوى تعني حصانة وقوة تمتنع النفس معها من السقوط في وحل الأهواء والشهوات، كما أن العلاقات الاجتماعية تتكئ على مبدأ احترام النفس قبل الحفاظ على حقوق الآخرين المعنوية والمادية.