«ياللّه بسرعة» … سباق يومي بلا خط نهاية
نعيش في زمن اختُصرت فيه الحياة بعبارة واحدة: «يا الله بسرعة»؛ نرددها بلا تفكير، نعيشها بلا وعي، ونورّثها لأبنائنا دون أن نشعر. فأصبحت السرعة هي أسلوب حياة، لا خيارًا مؤقتًا، حتى بات الهدوء تهمة، والتأني تأخرًا، والطمأنينة رفاهية مؤجلة. من البيت إلى الشارع، ومن العمل إلى المائدة، نركض خلف الزمن وكأنه عدو، بينما الحقيقة أن الزمن يمضي بثباته، ونحن من نُرهق أنفسنا في مطاردته.
في زمن تتسارع فيه الأيام، أصبحت السرعة سمة طاغية على تفاصيل حياتنا اليومية؛ نستيقظ مستعجلين، نتحرك على عجل، ونتحدث وكأن الوقت يلاحقنا في كل خطوة. عبارة واحدة تتكرر بلا وعي: «يا الله بسرعة»، حتى غدت جزءًا من لغتنا اليومية؛ في البيت، وفي العمل، وفي الشارع.
نوقظ أبناءنا صباحًا فنرفع أصواتنا، لا بدافع القسوة، بل تحت ضغط الاستعجال. نوصلهم إلى مدارسهم ونحن نعدّ الدقائق، ونذهب للأسواق، وللرحلات، أو حتى لمشاوير بسيطة، فنستعجل كل شيء وكأننا نخشى أن يسبقنا الزمن، لا أن نستمتع به.
تأمل شوارعنا، ستجد صورًا واضحة لهذا السباق المذموم؛ سائق يقود بسرعة مفرطة وكأنه في حلبة سباق، وشاب يقود دراجته بلا هدف واضح، فقط لأنه اعتاد السرعة، لا لضرورة حقيقية، ولا لوصول مهم، بل لأن العجلة أصبحت عادة. هذا الاستعجال لا يهدد السلامة فحسب، بل يعكس حالة نفسية متوترة، وكأننا نبحث عن الوصول دون أن نعرف إلى أين؟
لم تتوقف السرعة عند المواعيد والطرقات، بل امتدت إلى أبسط نعم الحياة. عند تناول الطعام نأكل بسرعة، نملأ بطوننا دون أن نمنح أنفسنا فرصة التلذذ أو الشكر، ونجلس على المائدة بأجسادنا، بينما عقولنا تسبقنا إلى مهمة أخرى. وهنا نخسر أكثر مما نكسب؛ نخسر الطمأنينة، ونفقد لحظات صغيرة يمكن أن تمنحنا راحة كبيرة.
لا يمكن إنكار أن للسرعة جانبًا إيجابيا حين تُدار بحكمة؛ فهي مطلوبة في الإنجاز، وفي استثمار الوقت، وفي الحسم عند الحاجة. لكنها تتحول إلى عبء ثقيل عندما تتلف الأعصاب، وتفسد العلاقات، وتدفعنا إلى تصرفات متسرعة نندم عليها، وتحرمنا من عيش اللحظة.
الحقيقة البسيطة أن الزمن لا يركض، هو يمضي بثباته المعتاد، لكننا نحن من نركض داخله بلا وعي؛ نلاحقه، ونرهق أنفسنا، ثم نتساءل عن سبب التعب. لسنا بحاجة إلى التوقف عن الإنجاز، بل إلى التوازن؛ أن نُنجز بهدوء، ونتحرك بوعي، ونُمهل أنفسنا فرصة للحياة.
خفّف سرعتك، تمهّل في حديثك، اجعل حركتك بحذر، واجلس مع من تحب دون استعجال؛ فالحياة لا تُقاس بما أنجزنا بسرعة، بل بعدد اللحظات التي عشناها بسلام وأمان واستمتاع.
ففي العجلة الندامة، وفي التأني السلامة.
















