الجرح الذي سُمّي صبرًا
في عتمة الرهانات الخاسرة، يرتكب الإنسان في حق نفسه جناية صامتة؛ حين يمدّ اسم الصبر فوق جرح مفتوح، ويخلط الاحتمال بالنجاة، ويُلبس الأذى هيئة الوفاء. يقنع قلبه بأن احتمال الإهانة ثمن مقبول حتى لا يخسر أحدًا، غير مدرك أن ما يخسره، على مهل، هو نفسه. في هذا الالتباس الدقيق، تتآكل الروح من الداخل دون ضجيج، ويظن صاحبها أنه يحمي علاقة، فيما هو يفرّط بذاته خطوة إثر أخرى.
أقسى ما يمكن أن يفعله المرء بذاته هو الإصرار على البقاء حيث يضيق عليه المعنى، وفي علاقة لا تعترف بحدوده. هناك يتحوّل التنازل من لفتة إنسانية إلى عادة مُنهِكة، ومن استثناء عابر إلى قاعدة صامتة، وتُعاد صياغة الكرامة على أنها مطلب مؤجَّل كلما اقتضت الحاجة. مع الوقت، يفقد الإنسان حساسيته تجاه ما يستحقه، ويعتاد التكيّف بدل الاعتراف.
في العلاقات المختلّة، لا يُطلب منك الحب وحده، بل يُطلب منك الانكماش: أن تقلّص حضورك حتى لا يربك غياب الآخر، أن تخفّض صوتك، أن تعيد تفسير الجرح، وتصنع الأعذار نيابة عمّن لا يراك. ومع الزمن، لا تخسر الشخص المقابل بقدر ما تخسر صورتك أمام نفسك، ويغدو نقص الاعتراف حالة مألوفة، ويصبح الحد الأدنى أقصى ما يُنتظر.
وهم التغيير هو الفخ الأشد قسوة؛ انتظار أن يتحوّل الإهمال اهتمامًا، وأن يتعلّم الغياب معنى الحضور، وأن يثمر الصبر عدلًا. أعمار كثيرة استُهلكت في هذا الانتظار، لأن القلب حين يتعلّق يؤجّل الحقيقة، ويمنح الوهم فرصًا متتابعة، حتى يبدو الخروج خيانة للذكرى، لا إنقاذًا للنفس، وحتى تُلبَس الخسارة اسم الأمل.
ليس كل انسحاب خسارة، وليس كل بقاء وفاء. أحيانًا تكون الشجاعة في الاعتراف بأن هذا المكان لا يشبهك، وأن هذه العلاقة لا تحفظك. اختيار النفس لا يعني القسوة، إنما يعني استعادة الميزان. والانسحاب من علاقة تستنزفك فعل وعي، لا جفاء، وعودة صادقة إلى الحدّ الذي لا يجوز تجاوزه.
النجاة لا تأتي دائمًا عبر قرارات صاخبة. أحيانًا تأتي في إدراك صامت، وخطوة محسوبة إلى الخارج، وفهم متأخر أن الكرامة ليست تفصيلًا قابلًا للتفاوض، وإنما الأساس الذي يقوم عليه أي ودّ يستحق الاستمرار.
















