الدراجة الوردية
كلماتي اليوم تأتي على هيئة قصة حقيقية، أحداثها تغلغلت في ذهني، غيَّرت خرائط أفكاري، ولّدت نضجًا لعاطفتي، وأدركتُ أن التغيير يبدأ بالقلب أولًا، فينضج العقل، فتنبت وتنمو بداخلنا بذور الإنسانية، وإني على يقين أنكم بعد نهاية القصة ستدركون أن هذه المقدمة كأنها تتحدث عن التغيير الذي سينتابكم كما حدث لي.
«أم حسين» متطوعة في أحد الأعمال الخيرية، كُلِّفت بأخذ أرملة مع ابنتها للسوق لشراء مستلزمات شهر رمضان المبارك، بهدف منح الأم حرية اختيار ما تحتاجه، ومنحهم سعادة التسوق الشخصي الذي يرفع مقامهم ويزيح عنهم حرج المساعدة من الآخرين، وهي فرصة لزيادة روح الترابط الاجتماعي.
وصفت أم حسين ابنتها «حوراء» - الطفلة ذات الست سنوات التي رافقت والدتها - بـ «الطفلة النقية»، كانت مستمتعة منذ صعودها إلى السيارة وصولًا للسوبر ماركت، مبتهجة وهي تتنقل بين الممرات، تحمل ما تختاره والدتها، تضعه برفق في السلة، وكلما ازدادت المشتريات استشعرت السرور أكثر، لم تُغرها أرفف الحلويات ولم تمد يدها لتتفحص الملابس، ولم تطلب شيئًا، وعند انتهاء والدتها من الشراء بالحد المالي المخصص لها، اتجهنا إلى أجهزة الدفع، وأثناء ذلك مررنا بالقسم المخصص للدراجات الهوائية، هنا وقعت عينا حوراء على الدراجة الوردية، وركضت بعفويتها ومرحها لتجربتها، كانت تقودها بمهارة وتتجاوز الآخرين بشقاوة وهي تدق الجرس بلطافة، ورغم ازدحام المكان كانت منطلقة بطفولتها وبساطتها، وكان كل من يراها يبتسم انعكاسًا لابتسامتها الجميلة، أوقفها صوت والدتها داعية إياها للتوقف وإرجاع الدراجة إلى مكانها، فجاءت نحو والدتها وهي ممسكة بالدراجة بنظرات تحمل رجاءً ورغبة بشرائها، لكن أمل حوراء انتهى قبل أن تتكلم بعد أن سمعت رفض والدتها التام لشرائها بحجة عدم وجود مكان لها بالشقة.
تقول أم حسين: وقفت عاجزة وأنا أشاهد مشهد الأم وابنتها؛ مشهد يرى ملامح أم قلقة استنفدت حدَّها المالي المخصص، وتضع الأعذار لإقناع طفلتها بالتراجع بخجل، ومشهد يرى انكسار طفلة عاشت لدقائق سعادة بامتلاك شيء بسيطٍ، لكنه كحلم لها. لم أتحمل تلك النظرات، واتجهتُ لحوراء وأخبرتها أن هذه الدراجة ستكون هدية مني لها كونها فتاة مؤدبة وهادئة، اتجهت عينا حوراء إلى والدتها مباشرة تنتظر أي إيحاء منها، كانت طفلة مؤدبة لا تتجاوز رغبة والدتها، حتى جاء إيماء بهز الرأس يدل على موافقة والدتها، ثوانٍ وإذا بحوراء تصعد الدراجة ببسمة ساحرة، كأنها امتلكت أثمن ما بالعالم بيديها، واتجهت إلى جهاز الدفع، كانت طيلة طريق العودة ممسكة بالدراجة خوفًا عليها في السيارة، وفور وصولنا منزلهم نزلت مسرعة تسحب الدراجة بيديها، وأنا أسمعها وهي تخبر إخوانها بسعادة أن هذه الدراجة ملك لها.
رجعت أم حسين إلى منزلها بشعور طمأنينة وسكون وسرور غريب ممزوج بالراحة، وتقول: كنت أدعو الله أن يكون سعر الدراجة قريبًا من المبلغ الذي أملكه، ولم أفكر بوضعنا المالي البسيط المعتمد على معاش زوجي التقاعدي المحدود، ولم أفكر بضغط المسؤوليات ونهاية الشهر وكيف سندبر أمورنا باقي الشهر، وكنت مرتاحة رغم كل ذلك بسعادة حوراء التي شهدتها. ومع هذه الراحة وصلت إلى منزلي لأجد البيت خاليًا لا أثر لأولادي الأربعة فيه، اتصلت مباشرة على والدهم ليخبرني أن خالهم جاء لزيارتنا أثناء غيابي وأخذهم لشراء الآيسكريم، وهم الآن في طريق العودة، ما هي إلا دقائق وإذا بأولادي يدخلون المنزل، وكل واحد منهم يدخل وهو يجر دراجة هوائية بيديه وهم فرحون بذلك، وأنا مذهولة أحاول استيعاب ما يحدث، قطع حبل أفكاري صوت أخي وهو يخبرني أنه بالقرب من محل الآيسكريم محل لبيع الدراجات، ورغب أخي بشراء الدراجات هدية منه لأولادي.
وقفت مكاني متجمدة، عاجزة عن الكلام والتعبير، بنبض عالٍ مصدومة مما يحدث أمام عيني، اللحظة التي رأيت فيها الدراجات تذكرت دراجة حوراء، شعرت أن ما أمر به كالمعجزة، وكلما فكرت بسرعة الموقف ورَدِّه، وكيف يكون العطاء البسيط باب بركة وعطاء كبير بأضعاف منه، تأتيني قشعريرة. كيف حدث كل هذا التدبير الرباني السريع؟ كيف يدبر الله خطوات سريعة لرزق أولادي في الوقت الذي كنت أخطو فيه لإسعاد هذه اليتيمة؟ دخلت غرفتي مسرعة وانفجرت بالبكاء خجلة من هذا الرب العظيم الذي يرى أمور أبسط عباده بعين من الرحمة والكرم، وكيف قبل الله عطائي ورَدَّه لي بأضعاف منه بسرعة مذهلة، سجدتُ لله حامدة الله وشاكرة له، فما مررت به ليس حدثًا عاديًا أو مجرد رزق عابر، إنما هو رسالة ربانية تحمل معنى ووعد الله عندما قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، وكنتُ أفكر إذا كنت أنا الإنسانة البسيطة التي كُلِّفت بدور بسيط بالعمل التطوعي ورُزقت هذه النعم، فهنيئًا لمن تبرع بماله بالسر والخفاء لسد حاجات هذه الأسر، فالله وعدهم بأجر عظيم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261].
هذه قصة أم حسين التي أخبرتني بها وجعلتني مذهولًا عند سماعها، واستأذنتها بنشرها، ولي نقاط أساسية أريد إيصالها لي ولكم...
جميعنا نبحث عن الطرق التي توصل دعواتنا إلى الله، ونبحث عن أي طريق لاستجابة حاجاتنا، تخيل أن هناك بابًا أمامنا فيه أسرع طريق لله ونحن في غفلة عنه، متمثلًا في «النية»، نعم نية السعي لإسعاد الناس وسد حوائجهم.
لذا نحتاج لتغيير بسيط لكنه كفيل بتغيير العطاء بشكل كلي، هذا التغيير بالنية فقط، لنجعل نوايانا دون أنانية، وسأشرح لكم بمثال بسيط عن الكيفية.
عندما تجود نفسك لتقديم الخير للآخرين، الكثير من الناس اليوم يتجه للعطاء الإلكتروني، صحيح أنه سهل وسريع في إيصال العطاء، لكنه أخفى مشاعرنا الإنسانية، لذا وأنت تتبرع انوِ في داخلك أن يصل هذا المال وينشر «السعادة»، قد لا تدرك لمن سيصل عطاؤك، لكن انوِ أن يكون مصدر سعادة لمن يصله كيفما كان احتياجه.
انوِ أن يكون عطاؤك البسيط مصدر بسمة لمريض يتوجع وعاجز، لكنه لم يتوقف رجاؤه بالله، وانوِ أن يكون سعادة لفقير لم يمد يده للآخرين، لكنه لم يفقد الأمل في الدعاء ليستره الله، وانوِ أن يكون سعادة لكفالة يتيم سعى لإكمال دراسته وحاول أن يتجاوز كل الظروف ليثبت نفسه ويسعد أهله ويكون قدوة لإخوته، وانوِ أن يكون سعادة لرسم ابتسامة الراحة في لمِّ عائلة من التشرد وتوفير مسكن الأمان لهم، وإن أعظم أسباب التوفيق في جوانب الحياة ليس شهاداتك أو منصبك أو علاقاتك أو مالك، إن أعظم وجوه الخير هو نواياك الطيبة، هي أوسع أبواب الرحمن بالتوفيق.
كثير من الناس يقدم العطاء لأجل أن يجزيهم الله بتيسير حوائجهم المتعسرة لمساعدتهم الغير، ولا ضرر بذلك، ولكن لنجعل النوايا لعمل الخير دون أنانية لمصالحنا، بل لمصالح المحتاجين من حولنا، لذا قبل أن تضغط زر المساعدة الإلكترونية، استشعر نية الخير أولًا، واطلب من الله أن يكون مالك سببًا لسعادة من تصل إليه وفك احتياجه، ثم اطلب حاجتك الخاصة بك، وبهذا أنت قدمت احتياج الناس بعملك للخير قبل احتياجك.
أم حسين لم تقدم الدراجة كعطاء ترجو منه حاجة، وإنما أرادت بها سعادة ليتيمة، ولأن نيتها خير جازاها الله أضعاف ما قدمت، لذا ابحثوا عما يسعد الله، فهي الطرق التي ستثمر فيها عطاياكم بثمار البركة، لا تستهينوا بقوة النوايا والأمور البسيطة، ف «على نياتكم تُرزقون».
نحن مقبلون على شهر رمضان الكريم الذي جعل الله فيه وسائل النور والتوفيق والرحمة، شهر مليء بالخير والرزق، فقط ينتظر منكم نيل هذه الكنوز، وكما عضلات الجسم تتقوى بالتمرين الرياضي، فعضلات القلب تحتاج أن تتمرن بثقل العطاء والخير للآخرين، ليصبح القلب خاليًا من الحقد والحسد والأنانية، وهذا الصفاء هو أقرب طرق الوصول لرضا الله.
وشهر رمضان فرصة لا تعوض للتغيير الإنساني، والنفس البشرية سريعة التغيير إذا عودتها على الكرم أعطته، وإذا اعتادت الحرص بخلت، وعلاقتك بالله مرهونة بمدى فهمك لإنسانيتك، لذا جهزوا نواياكم للخير، ولتتقدمكم النوايا الطيبة جهرًا كانت أو مخفية، وسترون عجائب الله كيف ستمطر حياتكم بالعطايا والمكرمات.
هذا الشهر الفضيل سيروا في كل سبل الخير فيه، قدموا المال بقدر ما تستطيعون للجمعيات الخيرية لعون المحتاجين، أرسل طبقًا من إفطارك إلى أحبائك، زر مجالس القرآن عند جيرانك، اجعل المسجد مستقرًا لصلاتك، ابتسم لمن حولك، صِل أهلك وأرحامك، اجبر خاطر يتيم بكلمة طيبة أو هدية بسيطة، قدم إفطار صائم وانوِ ثوابه لموتاكم، فقط ابحثوا عن الأماكن التي يرى الله إنسانيتكم فيها، وسترون الكثير من الطرق توصلكم لرضا الله ورحمته، وستدركون أن المستفيد الأول بالعطاء هو أنتم قبل الآخرين، فهناك عمليات تحدث بالروح، وتغييرات بالعقل، وراحة بالقلب، وتيسير للأمور تُرزق للشخص المعطاء دون إدراك منه.
رزقك قد يكون «خلف ذلك الباب» البسيط بنظرك الكبير عند الرحمن، لذا لا تخجل من طرقه، وأنا متأكد أن هناك الكثير من القصص حدثت وحاجات تيسرت للكثيرين نتيجة طرقهم «بابًا» بعمل بسيط، لكنه فاض عليهم بالخيرات وقبول الدعوات، فكن أنت أحد هؤلاء الموفقين.
في هذا الشهر العظيم اطرقوا أبواب الإنسانية الساعية للخير للناس… فرب الخير لا يأتي إلا بالخير.
















