على أعتاب الشهر الكريم
سامح واعفُ واصفح عن الآخرين، فأنت على أعتاب الشهر الكريم:
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22].
إن من يعفو عن الآخرين شخصٌ متصالحٌ مع ذاته، شخصٌ يمتلك قوةً داخلية، قابلٌ بما قسّمه الله له من خصائص ومزايا، وكذلك من النواقص، يقبلها بكل عيوبها، يُضعِفها ولا يذلّها، لا يقسو على نفسه ولا يهينها أو يحقرها، ويفهم أنه لا يوجد شخص بلا عيوب، فهو يعلم حدود إمكانياته.
يركّز على الجوانب الإيجابية في ذاته، ويعمل على تحسين عيوبه وتطوير نفسه. فهو إنسان مستقرّ نفسيًا ومطمئن، يعيش بهدوء وسلام، متفائل في أغلب الأحوال، يتوقّع الأفضل والخير دائمًا، يبتعد عن التوقعات السلبية والتشاؤم، حريص على زرع روح التفاؤل والأمل لمن حوله.
شخص لا يحبّ المشكلات ولا الخصام أو المشاعر السلبية، يقبل الآخرين بعيوبهم وميزاتهم، ومتعاون معهم، غالبًا يحاول تخطّي أي أزمة تخصّه أو تخصّ غيره.
وعندما يكون الإنسان متصالحًا مع ذاته، يكون أكثر قدرة على استيعاب الآخرين، وفهم طريقة تفكيرهم، والتأقلم مع ردود أفعالهم؛ ولذا تجده أكثر حذرًا في التعاطي معهم، وأكثر قدرة على تقييم الأمور وتصنيفها.
فالتصالح مع الذات يجعل الإنسان يتخلّى عن الهفوات أو الزلّات التي يرتكبها الآخرون، كما لا يلتفت إلى ما لا يعنيه. وحين يصل الإنسان لهذه المرحلة من السموّ الروحي والنفسي، يضع الأمور في زاوية المسلّمات، يعيش السعادة والراحة والسلام، ويعلم أن:
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].
فمسامحة الآخرين والعفو عنهم تقلل من سيطرة تلك المشاعر السلبية على الإنسان، وتساعده على التحرّر من كل ما يعوق راحته النفسية، ومن ثمّ الوصول إلى السلام الداخلي الذي يدفعه إلى الاستمرار في الحياة بسعادة.
سيُطلّ علينا الشهر الفضيل، ونسأل الله أن يبلّغ جميع المؤمنين صيامه وقيامه، وينيلهم من بركاته وخيراته. ولكي ننال هذه الخيرات والهبات من الله عزّ وجلّ، علينا برفع الحُجب التي تكون حائلًا بيننا وبين تلقّي تلك الهبات.
الأرزاق المعنوية تنزل متساوية على جميع البشر، ولكن الخلل في المتلقّي، فكلّ شخص واستعداده.
فلا تدع الخلافات والمشاحنات بينك وبين الآخرين تحجب عنك تلقّي خيرات الشهر الفضيل. قال أمير المؤمنين
: «بالعفو تُستنزل الرحمة».
فرحمة الله في شهر رمضان مضاعفة، تشمل الدنيا والآخرة. إن عفوت وسامحت وصفحت، فأنت أصبحت تملك نفسًا صافية، لا دين عليها، لا يحجبها عن تلقّي الخيرات أي مانع.
اسعَ من الآن، في ما تبقّى من شهر شعبان، بالعمل على إصلاح أي خلل في ذاتك ونقّها، وتصالح مع نفسك. ولقد قال رسول الله ﷺ: «تجاوزوا عن عثرات الخاطئين، فيقيكم الله بذلك سوء الأقدار».
استجلب جميل الأقدار بكرم أخلاقك وجميل صفاتك، وانشر الخير والسلام والمحبة والوئام أينما كنت. استقبل الشهر الكريم بنفسٍ زكيّة طاهرة، تكون بها أكثر قربًا من الله عزّ وجلّ، لتخرج محمّلًا بجميل العطايا، تسعد بها في الدنيا والآخرة.
فالعفو لا يُعدّ ضعفًا، بل شجاعة المؤمن، والصفح لا يُعدّ خسارة، بل ربح سلامٍ وراحة النفس.
طهّر قلبك… فالقلب الصافي أسبق إلى رحمة الله.
















