آخر تحديث: 11 / 2 / 2026م - 10:41 م

نبض الشوارع وتراتيل المآذن

سوزان آل حمود *

ما إن تقترب تلك الأيام المعدودات، حتى يحدث في الكون اهتزازٌ خفيّ لا تدركه الحواس، بل ترصده القلوب. إنها اللحظة التي يمتزج فيها نبض الشوارع المتسارع بزينة الفوانيس، مع تراتيل المآذن التي تصدح بالبشرى. ليس رمضان مجرد تعديل في جدول الوجبات أو تغيير في ساعات النوم، بل هو ”زلزال سكينة“ يضرب ركود الأرواح ليوقظ فيها توقاً قديماً إلى السماء. إن أهمية المشاعر القلبية في هذا الشهر تتجاوز المظاهر، فهي المحرك الذي يحوّل الجوع إلى سموّ، والتعب إلى لذة، والضجيج إلى ترتيل.

قبل قرع الأجراس

قبل أن يُعلن الهلال قدومه، ثمة ”واجب منزلي“ للقلب يجب أداءه. إن رمضان شهر لا يغسل الذنوب إلا لمن فتح أبواب قلبه لمجرى ماء التوبة. الواجب على الإنسان الآن هو ”تخلية القلب“ قبل تحليته، أي تطهيره من رواسب الخصام، وأدران الحقد، وضجيج المعاصي.

• العهد الجديد: الاستعداد لرمضان يعني أن تقف مع الله وقفة ”المتعاهد“، أن تعلن توبةً نصوحاً لا رجعة فيها، ليس خوفاً من العقاب فحسب، بل حياءً من ربٍّ فتح لك أبواب الجنة وأغلق دونك أبواب الجحيم.

مائدة الأفئدة لا الموائد

لقد انزلق الكثيرون في فخ ”رمضان الاستهلاكي“، فبات الشغل الشاغل هو ما يوضع على السفرة، بينما العبادة الحقيقية هي ما يُقدم في ”مائدة الأفئدة“.

• الصيام: ليس مجرد حرمان للمعدة، بل هو ”صوم الحواس“ عن كل ما يخدش حياء الروح. المعنى الحقيقي للصيام هو أن يجوع الجسد لتشبع الروح من أنوار القرب.

• الصلاة: ليست حركاتٍ مكررة، بل هي ”معراج“ يومي نترك فيه الأرض خلفنا لنتحدث مع خالق الوجود.

• الصدقة: ليست فضلة مال، بل هي قطع لجزء من الأنا وتذويب لكبرياء النفس أمام حاجة الآخر.

إن رمضان يأتي ليخبرنا أن الامتلاء الحقيقي يبدأ من الداخل، فما نفع مائدة عامرة بالأصناف وقلب خاوٍ من الذكر والخشوع؟

ختامًا

سينتهي الشهر كما بدأ، وسيرحل الضيف سريعاً كما حلّ. ولكن، قبل أن يسدل الستار، يبقى السؤال الأهم معلقاً في أروقة الروح:

هل استقبلنا رمضان لنغير عاداتنا أم لنغير ذواتنا؟ وهل ستظل تراتيل المآذن صدىً في آذاننا، أم أنها ستصبح نبضاً ثابتاً في قلوبنا حتى بعد رحيل الهلال؟ ربما تكمن الإجابة في تلك الدمعة التي تسقط خفية في ليلة وترية، فهل أنت مستعد لتكون تلك الدمعة بداية لقصة جديدة بينك وبين الله؟