آخر تحديث: 13 / 2 / 2026م - 1:37 ص

قانون الجذب

محمد يوسف آل مال الله *

يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : «كلُّ متوقَّعٍ آتٍ، فتوقَّعْ ما تتمناه»، وهي عبارة قصيرة في لفظها، عميقة في معناها، تفتح بابًا للتأمل في علاقتنا بما نرجوه من المستقبل، وبما شاع في عصرنا تحت عنوان ”قانون الجذب“. غير أنّ المقاربة بينهما تحتاج إلى وعي حتى لا نقع في خلطٍ بين منطقٍ روحيٍّ أخلاقي، ومنطقٍ تبسيطيٍّ تجاريٍّ شائع في ثقافة التنمية الذاتية الحديثة.

التوقّع في كلام الإمام علي لا يعني مجرد التفكير الإيجابي أو إطلاق الأمنيات في الهواء، بل يشير إلى حالة داخلية واعية، تتشكّل فيها صورة المستقبل في النفس، ثم تنعكس على السلوك والاختيارات. فالإنسان لا يتحرّك في حياته وفق ما يريد فقط، بل وفق ما يتوقّع. مَنْ يتوقّع الفشل غالبًا يتصرّف تصرّف المهزوم قبل أن يُهزم، ومَنْ يتوقّع النجاح يتصرّف وكأنّه في طريقه إليه، فيصبر، ويجتهد، ويقبل المشقة بوصفها جزءًا طبيعيًا من المسار.

من هنا، يمكن فهم الحديث على أنّه يضع قانونًا نفسيًا تربويًا: أنّ التوقّع يصنع الاتجاه. فحين يقول الإمام علي : «فتوقّع ما تتمناه»، فهو لا يدعونا إلى الأحلام السهلة، بل إلى نقل الأمنية من حيّز الخيال إلى حيّز الاستعداد الداخلي. أي أن نهيّئ أنفسنا لما نريده أن يتحقق، وأن نعيد تشكيل وعينا وفقه. وهذا المعنى يلتقي جزئيًا مع فكرة ”قانون الجذب“ في أنّ ما نركّز عليه يؤثر في حياتنا، لكنّه يختلف عنه في العمق والغاية.

فقانون الجذب المعاصر غالبًا يُقدَّم على أنّه علاقة ميكانيكية بين الفكرة والنتيجة: فكّر في المال يأتيك المال، تخيّل الصحة تُمنح الصحة. بينما رؤية الإمام علي تقوم على علاقة أخلاقية وسلوكية: توقّع الخير لتسير في طريقه، لا ليهبط عليك بلا سبب. التوقّع هنا ليس بديلًا عن العمل، بل محرّكًا له. وليس تعويضًا عن الواقع، بل أداة لإعادة تشكيله عبر النفس أولًا.

ثم إنّ الحديث يحمل بُعدًا قيميًا مهمًا؛ فهو لا يقول: توقّع أي شيء، بل: توقّع ما تتمناه، أي ما تراه جديرًا بأن يكون أمنيتك أصلًا. فالأمنيات ليست حيادية، والتوقّعات ليست بريئة دائمًا. ما نتوقعه يكشف عمّا في داخلنا من رؤية للحياة، ومن معنى للنجاح، ومن صورة عن ذواتنا.

وهكذا، يمكن استلهام هذا الحديث اليوم بوصفه دعوة إلى الوعي بما نحمله في داخلنا عن الغد: هل نحمله على هيئة خوف، أم على هيئة رجاء؟ هل ننتظر الأسوأ فنهيئ له، أم ننتظر الأفضل فنتهيأ له؟ فليس المقصود أنّ الكون يستجيب لأفكارنا، بل أنّ نفوسنا تستجيب لتوقّعاتنا، فتقودنا - من حيث نشعر أو لا نشعر - نحوها.

وبذلك يصبح كلام الإمام علي مدرسة في صناعة الأمل الواقعي: أملٌ يرى الطريق، ويعرف العناء، لكنّه يختار أن يتوقع ما يتمنى… ثم يمضي نحوه، وبمصطلح اليوم ”وضع الأهداف الذكية والخطط التنفيذية لها“.