أوائل من وثّق تراث الأحساء
اعتمد التوثيق قديمًا على المخطوطات المتناقلة بين العلماء والأسر العلمية، وتدوين تراث الأحساء كتب غالبًا من مصادر محلية، وبداية توثيقه من قلة من الأحسائيين؛ فقد كان هذا الفن ونتاجه محدودًا، ولم يتبلور ويتزايد التوثيق في كتابات عن تاريخ الأحساء إلا حديثًا.
فقد تزايد الاهتمام بتوثيق تاريخ الأحساء محليًا من قبل أبناء الأحساء مؤخرًا، وتحديدًا ما بعد القرن الثاني عشر من تشكّل الأحساء بمعالمها الجغرافية الجديدة، وفي هذه الفترة تزايد كتاب فن توثيق التاريخ الأحسائي؛ فمن خلال البحث تجد أنه لم تصدر مؤلفات أو نتاج تاريخي منذ أن تكونت الأحساء قبل هذا القرن إلا توثيقات علمية أو اجتماعية للأحساء.
فلا يوجد كتاب سردي وصلنا بعنوان «تاريخ الأحساء» أو «تاريخ هَجَر» دوّنه أحسائي في القرون الهجرية الأولى، وأقدم توثيق أحسائي لتاريخ وتراث هَجَر/الأحساء وصلنا هو توثيق ضمني غير مستقل، ظهر عبر الفقهاء والعلماء الأحسائيين ما بين القرنين السادس - الثامن الهجري، من خلال كتب التراجم، والأنساب، والفقه، والرواية العلمية.
ومن أوائل من وثّق تراث الأحساء من القدماء الأحسائيين، هم أهل المنطقة أنفسهم عبر تراثهم الشفهي، ثم لاحقًا عبر العلماء والمؤرخين الأحسائيين، ويُعدّ من أقدم النصوص التاريخية وأهم من وثّق جوانب من تاريخ الأحساء من أهلها الشاعر علي بن المقرب العيوني في القرن «السابع هـ»، ويتضمّن أخبار العيونيين في الأحساء في كتاب «ديوان ابن المقرب».
وفي «أوائل القرن التاسع» وثّق الشيخ أحمد بن فهد بن حسن بن محمد الأحسائي بقلمه انتهاء كتابه «خلاصة التنقيح» في عام «806 هـ»، فقد وصلتنا أعماله عبر مخطوطات، ومن آثاره رسائل في تراجم علماء الأحساء ونسب الأسر العلمية، ومصدرها مخطوطاته في مكتبات إيران والنجف.
وفي أواخر القرن التاسع عام «893 هـ» أتم الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه «النور المنجي من الظلام في حاشية مسلك الأفهام في علم الكلام»، ومن آثاره كتابه «عوالي اللآلي المجلي»، وكتبه تجاوزت خمسين مؤلفًا، وقد عرّف بنفسه بلقب الأحسائي، ويُستدلّ منها على طبيعة البيئة الدينية والاجتماعية الأحسائية، وهذه الآثار العلمية شكّلت تركة من تراث الأحساء.
وفي القرن التاسع والعاشر الهجري كانت بداية التحول في الكتابة عن تراث الأحساء من التوثيق الضمني إلى شبه التاريخي، وتسجيل الوقائع والنزاعات، وظهور مخطوطات محلية إلا أنها لم تصل كاملة، وتعد هذه المرحلة هي الجسر الحقيقي نحو التأريخ المحلي.
وفي القرن «الثاني عشر» كان الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي في عام «1241 هـ» من أبرز الشخصيات التي وثقت جوانب تاريخية واجتماعية ودينية لمنطقة الأحساء، ولم يكن مؤرخًا بالمعنى المباشر، لكنه دوّن معلومات مهمة عن العلماء والأسر العلمية، وتمثل كتاباته انعكاسًا للحياة العلمية والفكرية والاجتماعية، ومصدرًا تاريخيًا لمنطقة الأحساء، ومن أعماله «الجوابات الأحمدية» و«شرح الزيارة الجامعة».
وتساءل المؤرخ حمد الجاسر لدى زيارته للأحساء، في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي، عن أي كتاب ألّف في تاريخ الأحساء؟ وتم نشر هذا الحوار في جريدة الجزيرة في العدد «12561»، وكان المسؤول الشيخ عبد العزيز بن عمر العكاس، وقال: سألتني أيها الأخ أن أكتب لك كلمة عن حالة العلم والعلماء في الأحساء قديمًا وحديثًا، فاعلم أيها الأخ أن البلد مع كونه بلدًا آهلاً بالعلم والعلماء من القديم والحديث ليس له تاريخ ولا مؤرخون يضبطون حاله، وليس هناك مصادر موثوقة محررة، والسبب الوحيد في ذلك أن علماء الأحساء يغلب عليهم حب الخمول قديمًا وحديثًا، وأما من كان قبل القرن الثاني عشر فلا يمكن أن نكتب عنه أي شيء، وأما القرن الثاني عشر فهناك آثار مبعثرة ودرر منتثرة يمكن أن يكتب الكاتب فيها أنموذجًا لقديمها.
وظهر أول توثيق لتاريخ الأحساء بالمعنى الصريح متأخرًا جدًا في «القرن 12-13 هـ» عبر سجلات ومخطوطات محلية، وتدوين وقائع متسلسلة، وفي هذه الفترة ازدهر التوثيق المحلي معتمدًا على المخطوطات ووثائق الأوقاف وسجلات المحاكم الشرعية وتوثيقات السجلات العثمانية.
فما بعد القرن الثاني عشر ساهم أبناء الأحساء في إصدار الكثير من الكتب عن تاريخ الأحساء، ومنها «أنوار البدرين ومطلع النيرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين»، وكتاب «الأحساء أدبها وأدباؤها المعاصرون»، وكتاب «أعلام هجر من الماضين والمعاصرين»، وكتاب «تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد»، وكتاب «أحسائيون مهاجرون»، والكثير من الكتب التي تتناول تاريخ الأحساء ولا يسع ذكرها.
ويتساءل بعض الباحثين: لماذا لا نجد «كتابًا عن تاريخ الأحساء» مبكرًا؟ والإجابة تتمحور في أربعة أسباب علمية: أولًا طبيعة التأليف في الأحساء كانت علمية فقهية لا تاريخية سردية، وثانيًا التاريخ كان يُعدّ علمًا ثانويًا أو ضمنيًا داخل التراجم والأنساب، وثالثًا ضياع الكثير من المخطوطات الأحسائية المبكرة مما خلق حلقات مفقودة في السجلات التاريخية، ورابعًا العزوف عن التدوين والاعتماد لفترة طويلة على النقل الشفهي.
















