آخر تحديث: 20 / 2 / 2026م - 11:49 م

جهاد النفس

ريدة الحبيب *

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة: الآية 45 ]، وقد جاء في التفسير أن الصبر هنا هو الصوم؛ حيث جاء في اللغة العربية أن العرب قديمًا اعتادت أن تسمي الكل بالجزء أو الجزء بالكل، إذ يعد الصوم من لوازم الصبر، أي ترك الأشياء التي اعتاد الإنسان في حياته عليها، كالطعام والشراب وغيرها من الملذات، والتي قد تطال حتى الاحتياجات النفسية.

وهنا نجد أن الإنسان قد يضحي بأشياء مقابل الحصول على قيمة أكبر، فترك هذه الملذات والصبر عليها موجب للحصول على الجزاء من الله تعالى، وما ادخره للعبد مقابل الصبر على ما نهاه عنه.

ونجد في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به» [حديث قدسي - رواه البخاري ومسلم].

فقد يرى البعض أن الصوم ينفع من الناحية الصحية للجسد كما قيل: «صوموا تصحوا»؛ حيث يكون هناك فترة استجمام للجسم عن الأنشطة المعتادة له يوميًا، وهذا ربح لحساب الجسد.

كما قد يكون هناك نفع نفسي كتقوية الإرادة، وقد يكون نفع اجتماعي في معادلة مساواة الطبقات الاجتماعية.

وقد أدبنا الإمام علي بن موسى الرضا في حديثه عن علل الصوم حيث يقول:

«إنما فرض الصيام على العبد ليكون خاشعًا ذليلًا بين يدي الله»؛ فالإنسان عندما يجوع ويعطش يشعر بالذل والهوان والحاجة للعودة إلى الله، حيث إنه هو من أجاعه وأعطشه، وهو من له القدرة على إشباعه وإروائه. ثم يقول:

«حتى يصبر على الجوع والعطش»؛ فالإنسان يتربى على الصمود أمام الجوع والعطش حتى لا يعتاد على الرفاهية المطلقة وتوفر الملذات في الحياة؛ فهي أمور زائلة، قد يأتيها يوم فتنفد لأي سبب من الأسباب، لذا فعلى المرء أن يكون دائمًا متهيئًا لأن يجوع ويعطش. ثم يقول:

«أن يقوى على التماسك أمام الشهوات مع القدرة عليها»؛ والمقصود به هنا هو تربية الإرادة، حيث إن غالبية الناس تخونهم الإرادة والالتزام، مثل الضعيف أمام الطعام حتى وإن كان منهيًا عنه، سواء كان النهي لآثار صحية أو شرعية.

ومن هنا نتعلم أن الصوم يستهدف تربية الإنسان من جميع النواحي المادية والمعنوية.

ومن هذا المنطلق، وما أريد أن أصل إليه، إن معرفتنا بكل ما ورد وثقتنا بما أقره الله لأجل مصلحتنا كفيلة بأن تعطينا قوة وطاقة للتحمل وعدم الضعف أمام المغريات مهما كانت. وكثيرًا ما أقول لمرتاد عيادتي حينما يردد: «لا أستطيع أو لا أتحمل»، فأقول له: حتمًا تستطيع وتقوى على ذلك، والدليل أنك تصبر وتتحمل حينما تكون صائمًا طوال شهر رمضان؛ فتدريب وتهذيب النفس على مقاومة المغريات من الطعام لهو جهاد إما أن يقوى ويفوز أو يضعف فيخسر. فكثيرًا ما واجهت مع مرضاي معاناتهم في جهاد أنفسهم مع الطعام، وما يحدث لهم من جراء توافر الطعام في كل مكان وفي كل حدث أو مناسبة، مع الالتزامات الاجتماعية أو الضغط عليهم لتناول كل ما لذ وطاب مهما كانت أسباب الامتناع لديهم.

كيف يجعلنا رمضان أقوى في مواجهة شهوات الطعام؟

في زمن أصبحت فيه الوفرة الغذائية هي القاعدة لا الاستثناء، لم يعد التحدي هو الحصول على الطعام، بل القدرة على ضبط النفس أمامه. ومع ازدياد معدلات السمنة والأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، تبرز الحاجة إلى مفهوم عميق يجمع بين البعد الروحي والسلوك الصحي… وهو جهاد النفس.

جهاد النفس: المفهوم الأعمق

جهاد النفس في معناه الأخلاقي والروحي هو مقاومة الرغبات حين تتجاوز حدود الحاجة، وهو ليس حرمانًا قاسيًا، بل تربية داخلية على الاعتدال.

وعندما نتأمل مفهوم الحمية الغذائية الصحية، نجد أنها تقوم على المبدأ ذاته: التحكم الواعي في الكمية، لا الامتناع المطلق عن النعم.

فالإنسان لا يفشل في الحميات لأنه يجهل المعلومات الغذائية، بل لأنه يصارع رغباته اللحظية؛ وهنا يظهر التقاطع بين الصحة والروحانية.

ماذا يقول العلم عن ضبط النفس والجوع؟

من الناحية الفسيولوجية، الجوع ليس دائمًا مؤشرًا حقيقيًا على حاجة الجسم للطاقة.

هناك نوعان من الجوع:

1. الجوع الفسيولوجي الحقيقي: نتيجة انخفاض سكر الدم وحاجة الجسم للطاقة.

2. الجوع العاطفي أو السلوكي: مرتبط بالتوتر أو الملل أو العادات أو المحفزات البيئية.

الدراسات الحديثة في علم الأعصاب السلوكي تشير إلى أن مقاومة الإغراءات الغذائية تنشط مناطق في الدماغ مسؤولة عن التحكم التنفيذي مثل قشرة الفص الجبهي «Prefrontal Cortex»، ومع التكرار تتحسن القدرة على الانضباط الذاتي؛ أي أن ضبط النفس مهارة يمكن تدريبها وليست صفة يولد بها الإنسان.

كما أن تقليل السعرات الحرارية بشكل معتدل ومنظم:

• يحسن حساسية الإنسولين،

• يقلل الالتهاب المزمن،

• يساعد في تنظيم هرمونات الجوع مثل «الغريلين»،

• يرفع هرمون الشبع «لبتين» مع الوقت عند انتظام النمط الغذائي.

إذن، تقليل الكمية ليس مجرد إجراء شكلي لإنقاص الوزن، بل تدريب بيولوجي وسلوكي متكامل.

رمضان: مدرسة سنوية لإعادة برمجة الشهية

يأتي شهر رمضان ليقدم نموذجًا عمليًا لضبط الرغبة.

الامتناع عن الطعام والشراب لساعات محددة يعيد تشكيل العلاقة مع الجوع:

• نتعلم التفريق بين الحاجة الحقيقية والرغبة العابرة،

• نختبر قدرتنا على الصبر،

• نكتشف أن الجوع يمكن احتماله، وأنه ليس طارئًا مهددًا.

ومن الناحية العلمية، الصيام المتقطع المنظم - المشابه لنمط الصيام في رمضان - ثبت أنه:

• يحسن مرونة التمثيل الغذائي «Metabolic Flexibility»،

• يساعد الجسم على استخدام الدهون كمصدر طاقة،

• يعزز عمليات الإصلاح الخلوي مثل الالتهام الذاتي «Autophagy» عند الالتزام بضوابط صحية.

لكن الأهم من ذلك أن رمضان يعيد تعريف «الشبع»؛ فبعد يوم صيام، تكفي وجبة معتدلة لإشعار الإنسان بالرضا، مما يذكرنا بأن كثيرًا من استهلاكنا اليومي يفوق حاجتنا الحقيقية.

البعد الاجتماعي: بين ثقافة الوفرة وثقافة الاعتدال

مجتمعاتنا اليوم تعاني من ثقافة «الأكل للاحتفال، وللألم، وللملل، وللمجاملة».

وتتحول موائد رمضان أحيانًا إلى مفارقة مؤلمة؛ شهر تدريب على الجوع، لكنه ينتهي بموائد إسراف.

لذلك فإن استثمار رمضان في جهاد النفس يعني:

• تقليل عدد الأصناف لا زيادتها،

• الاكتفاء بما يسد الحاجة،

• تعليم الأبناء معنى الاعتدال لا الحرمان،

• ربط الطعام بالشكر لا بالاستهلاك المفرط.

من جهاد النفس إلى نمط حياة صحي

عندما يتعلم الإنسان أن يتحمل الجوع الخفيف دون هلع، وأن يكتفي بكمية معتدلة دون شعور بالنقص، فإنه يحقق انتصارًا مزدوجًا:

• انتصارًا صحيًا يحمي جسده من الأمراض المزمنة،

• وانتصارًا نفسيًا يعزز ثقته بقدرته على التحكم بسلوكه.

الحمية الصحية ليست معركة مع الطعام، بل تدريب على الوعي، ورمضان ليس شهر تجويع، بل شهر إعادة ضبط البوصلة.

الخلاصة

جهاد النفس في تقليل مقادير الطعام ليس قسوة، بل رحمة بالجسد. والجوع المؤقت ليس ضعفًا، بل قوة إرادة تتشكل. ورمضان فرصة ذهبية لنتعلم أن نأكل لنعيش، لا أن نعيش لنأكل.

فمن استطاع أن يصبر عن الماء في يوم صائف، يستطيع أن يصبر عن لقمة زائدة لا يحتاجها.

أخصائية تغذية علاجية ورياضية
المدير الإداري لمركز الحبيب للعلاج الطبيعي